يوليو 4, 2026

الروهنغيا.. مأساة إنسانية تبحث عن حل

4 يناير 2017

وكالة أنباء أراكان ANA | بوابة الأهرام

مع بداية عام جديد ومجيء أمين عام جديد للأمم المتحدة تعهد بالحفاظ على الكرامة الإنسانية, وبينما العالم مشغول بمشكلات وأزمات دولية حازت على الاهتمام والمتابعة مثل الأزمة السورية بكل تعقيداتها، أو الارهاب الذى يوجه ضرباته في دول العالم بلا استثناء، نسي الجميع مأساة لا تقل بشاعة عن غيرها بل تزيد بأنها تحدث وسط لا مبالاة تكاد تكون تامة من المجتمع الدولي، وهى مأساة مسلمي الروهنغيا في ميانمار، الذين تصنفهم الامم المتحدة بانهم الأقلية الدينية الأكثر اضطهادا في العالم؛ حيث يتعرضون لشتى أنواع الاضطهاد والمضايقات وفي مقدمتها الحرمان من حق المواطنة بموجب قانون أقرته ميانمار عام 1982، إذ تعتبرهم الحكومة مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش رغم استقرارهم في البلاد لأجيال متتابعة، فضلا عن حرق ونهب منازلهم والتهجير القسري لهم، للحد الذى دفع البعض لوصف ما يحدث بأنها سياسة تطهير عرقي ضد هذه الأقلية المسلمة التي يبلغ عددها مليون شخص يشكلون غالبية ولاية أراكان, رغم أنهم بشكل عام يعدون أقلية في ميانمار التي يدين معظم سكانها بالبوذية.
ومع أنه من الناحية النظرية فإن العام الجديد قد يحمل أفقا لحل هذه الأزمة المستحكمة بعد اللجنة التي تشكلت برئاسة كوفي أنان سكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق منتصف العام الماضي، وهى اللجنة التي تشكلت بالاتفاق مع رئيسة الوزراء أونج سان سو تشى لدراسة الوضع واقتراح حلول، فإن الواقع العملي يشير لصعوبة ذلك، فكلما هدأت الأمور نسبيا عادت للاشتعال مرة أخرى ليتكرر سيناريو المأساة بكل تفاصيله، خاصة أن التحرك لمواجهة المشكلة غالبا ما يكون بطيئا ويأتي بعد استفحالها، والدليل على ذلك الأزمة الأخيرة التي بدأت في شهر أكتوبر الماضي بعد هجمات استهدفت مراكز للشرطة في ولاية أراكان، وإثر ذلك شنت قوات الأمن حملة واسعة النطاق لملاحقة مرتكبي هذه الهجمات ، ولكنها أسفرت عن مقتل العشرات وفرار 27 ألف من الروهنغيا إلى بنغلاديش وسط روايات عن فظاعات ارتكبت من قبل هذه القوات تشمل قتلا وإحراق مساكن واغتصابا جماعيا، وهو ما أنكرته حكومة ميانمار تماما واعتبرته مجرد مزاعم لا أساس لها.
وكعادة التعامل مع قضية الروهنغيا مر شهران تقريبا قبل أن يتحرك أحد ويثير هذه القضية، وكان التحرك هذه المرة من قبل رابطة جنوب شرق آسيا (الآسيان) التي اجتمعت أواخر الشهر الماضي في العاصمة رانجون لبحث هذه الأزمة تخوفا من حركة هجرة جديدة لهذه الأقلية المضطهدة، وهى خطوة ذات دلالة، إذ جرى العرف بين دول الرابطة على عدم مناقشة القضايا الداخلية للدول الأعضاء، وهو ما اعتبر مؤشرا على خطورة الأزمة، خاصة بعد أن دخلت الأمم المتحدة على خط الهجوم على حكومة ميانمار ووجهت على لسان مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد رعد بن الحسين انتقادات عنيفة لحكومة ميانمار، ورأت أن نهج الحكومة متهور وغير مجد. وهو نفس الموقف الذى تتبناه ماليزيا التي نددت على لسان رئيس وزرائها بعمليات إبادة الروهنغيا مطالبة سو تشى بالتحرك وتسأل ابن الحسين عما إذا كانت سو تشى تستحق جائزة نوبل للسلام التي حصلت عليها أم لا .
ومع أن حكومة ميانمار مصرة على أن معظم التقارير التي تتناول الوضع في ولاية أراكان ملفقة وأن أزمة الروهنغيا شأن داخلي، فإن الضغوط الدبلوماسية خاصة من جيرانها ومن بعض الدول الأوروبية دفعت سوتشي إلى التحرك بشكل مختلف عن المرات السابقة، خاصة بعد أن أبدى العديد من الدول تخوفه من أن تصبح ولاية أراكان أرضا خصبة للإرهاب بسبب الظلم الواقع على الروهنغيا بكل ما سيجره ذلك من مشكلات على دول المنطقة، بل ورأى البعض أن الوقت قد حان لتشكيل قوة عمل إقليمية للتنسيق والاستجابة الفورية في حالة حدوث نزوح جماعي للروهنغيا مرة أخرى، ومن ثم دعت الحكومة وفدا من ممثلي وسائل الإعلام المختارة لزيارة بعض المناطق رغم أنها رفضت ذلك سابقا، كما دعت سوتشي لعقد اجتماع لوزراء خارجية دول الآسيان مبررة ذلك بأنها تتفهم مخاوف الدول المجاورة وترغب في تقديم إيضاحات لحقيقة ما يحدث، وهو ما حدث بالفعل وإن كان لم يغير كثيرا من الوضع القائم.
واتساقا مع ذلك أيضا كانت زيارة كوفي أنان الذى يرأس اللجنة المشكلة لدراسة الأزمة ووضع تصور للحل لولاية أراكان. اللافت في هذه الأزمة أن الانتقادات والهجوم والتشكيك يلاحق كل من يتصدى لها، بدءا من رئيس وزراء ماليزيا الذى اتهم من قبل البعض بأنه يصعد من لهجة الهجوم سعيا وراء مزيد من الشعبية استعدادا للانتخابات المقررة عام 2018، ولجنة كوفي أنان التي اتهمها الناشطون بأنها تقلل من حجم مأساة الروهنغيا، بينما اتهمها مواطنو ميانمار بأنها تعمل لصالح الروهنغيا على حساب البوذيين في ولاية أراكان، وانتهاء بـ «سوتشي» التي حظيت بنصيب الأسد من الاتهامات كونها تعد أيقونة للكفاح في سبيل الديمقراطية ولكنها تقف موقف المتفرج من مأساة وظلم كبيرين يقعان على عاتق أقلية محرومة من كل شيء، وهو ما فسره المراقبون بأنها في ظل المناخ السياسي السائد لا يمكنها أن تناقش قضية الروهنغيا بموضوعية، لأنها ستكون في هذه الحالة موضع هجوم من قبل حزبها ومؤيديها على حد سواء، كما أنها باستجابتها للضغوط الدولية ستغامر باستقرار حكومتها، ولذلك ليس أمامها سوى تجاهل ما يحدث، خاصة أن معظم سكان ميانمار لا يتعاطفون مع الروهنغيا ويرون ما يحدث عمليات تطهير ضد عناصر مسلحة وعنيفة.
ويبقى التساؤل في النهاية قائما وهو هل سيستمر الوضع كما كان في السابق أم أن العام الجديد سيشهد تغيرا في تلك القضية التي تحتاج إلى حل جذري وليس مجرد تنديد وشجب قبل أن تتحول لبيئة حاضنة ومولدة لانتشار العنف في تلك المنطقة من العالم.

شارك
×