يوليو 5, 2026

الروهنغيا.. رحلة عذاب على طريق النسيان

15 نوفمبر 2017

وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات

تأتي الأحداث الكبرى فتنسي الناس غيرها، وفي ظل انشغال العالم بالأحداث الكبرى تجري أحداث أخرى يضيع فيها كثير من المستضعفين في جنبات الأرض لاسيما من الأقليات، وتعتبر “الروهنغيا” الأكثر اضطهادا في العالم في وقتنا الحالي من خلال انتهاكات مستمرة على مسمع ومرأى العالم، يوما بعد يوم تتزايد المخاوف من احتمال تحول قضية أبناء طائفة “الروهنغيا” إلى بند ثابت على جدول أعمال الأمم المتحدة وملف منسي وسط كثير من الملفات التي يناقشها مجلس الأمن الدولي بشكل دوري، وقد تولد هذا الانطباع السلبي لدى المراقبين في ضوء عجز مجلس الأمن عن إصدار قرار بشأن هذه القضية الساخنة واستبدال ذلك ببيان رئاسي .
ففي الوقت الذي أصدر فيه مجلس الأمن بيانه الرئاسي حول معاناة الآلاف من أبناء طائفة “الروهنغيا” المسلمة ،كانت أمواج بشرية منهم تواصل النزوح من ميانمار إلى بنغلادش وسط عجز دولي عن وقف النزوح أو وقف الاضطهاد الذي يتعرضون له أو توفير الحماية لهم حيث صدر البيان عن المجلس بالإجماع في الأسبوع الماضي هو أول بيان رئاسي بشأن ميانمار منذ 10 سنوات، وطالب فيه السلطات بضمان عدم استخدام القوة العسكرية بشكل مفرط ضد “الروهنغيا”، ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، واتخاذ إجراءات عاجلة لعودة اللاجئين إلى مناطقهم .
ومنذ 25 أغسطس الماضي، يرتكب جيش ميانمار مع مليشيات بوذية “مجازر وحشية” بحق أقلية “الروهنغيا” المسلمة في ولاية راخين/ أراكان (غرب)، أسفرت عن مقتل الآلاف منهم، بحسب مصادر وإفادات وتقارير محلية ودولية متطابقة، فضلا عن لجوء قرابة 820 ألفاً إلى بنغلادش، وفق منظمة الهجرة الدولية ، وأعرب المجلس، في بيانه عن “القلق الشديد إزاء التقارير المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في ولاية أراكان، بما فيها من جانب قوات الأمن الميانمارية، وخاصة ضد المنتمين إلى الروهنغيا”.

وقال نائب المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، السفير جوناثان ألين للصحفيين، في مقر المنظمة الدولية بنيويورك، إن ” البيان يطالب ميانمار بوقف القوة العسكرية ضد “الروهنغيا” في أراكان مشددا على ضرورة الوصول الإنساني الفوري، ويؤكد على ضرورة محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان بحق “الروهنغيا”، وأضاف أن البيان “يطالب أيضاً السلطات الميانمارية بضرورة التعاون مع الأمم المتحدة، واتخاذ إجراءات عاجلة لعودة لاجئين “الروهنغيا” إلى ديارهم في أراكان”.
وتعتبر حكومة ميانمار المسلمين الروهنغيا “مهاجرين غير شرعيين” من بنغلادش، فيما تصنفهم الأمم المتحدة “الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم”.
وفي الأسبوع الماضي قامت الزعيمة الميانمارية “أونغ سان سو تشي” بأول زيارة لها إلى غرب البلاد حيث تتهم الأمم المتحدة الجيش بالقيام بـ “تطهير عرقي” يستهدف أقلية “الروهنغيا” المسلمة التي هرب أكثر من 600 ألف من أفرادها إلى بنغلادش المجاورة خلال شهرين ، وفي ختام هذه الزيارة المفاجئة لم تدل “سو تشي” الحائزة على جائزة نوبل للسلام ووصلت إلى الحكم في بورما في إبريل 2016، بأي تصريح .
وتتعرض “سو تشي” لانتقادات شديدة في الخارج بسبب لامبالاتها حيال “الروهنغيا” الذين يعتبرون واحدة من الأقليات الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم ، ويتعين عليها التشاور مع جيش ما زال قويا جدا على الرغم من إقدام المجموعة العسكرية الحاكمة على حل نفسها في 2011، ومع رأي عام معاد للمسلمين وللأجانب إلى حد كبير .. كما زارت قرى مدمرة في منطقتي منغدو وبوسيدونغ والتقت عدداً كبيراً من مجموعات تسكن هناك وتنفي السلطات الميانمارية حتى الآن الاتهامات بـ “تطهير عرقي” .
وتعتبر “سو تشي” أن التنمية الاقتصادية هي العلاج الناجع على الأمد البعيد لهذه المنطقة التي تعد واحدة من أفقر مناطق البلاد، وتبلغ نسبة الفقر فيها 78%، ، لكن المنظمات الإنسانية تذكر، قبل ذلك، بأنها تواجه حالة إنسانية طارئة فإلى هذا الجزء من ولاية أراكان تصل المساعدات الإنسانية بكميات قليلة ، ويسمح للصليب الأحمر وحده بالعمل في المنطقة .
وقال “دومينيك ستيلهارت” المسؤول عن هذه المنظمة غير الحكومية في بورما “نشجع السلطات على تسهيل عمل الناشطين في المجال الإنساني، لأن الصليب الأحمر لا يستطيع وحده تلبية الحاجات الكثيفة ، وأن عددا كبيرا من الأشخاص الذين غادروا منازلهم يعيشون وسط ظروف بائسة قطعة من البلاستيك فوق رؤوسهم، والأرض موحلة تحت أقدامهم، سواء في بنغلادش المجاورة لأكثريتهم، أو في ولاية أراكان”.
وتتميز هذه الأقلية باستخدامهم للغة الروهنغيا واعتناقهم للإسلام حيث تمثل هذه الجماعة أقلية مسلمة في بلد أغلب سكانها من البوذيين، وتمارس “ميانمار” عليهم اضطهادا منذ فترة ليست بالقليلة وتمنعهم من حقوقهم الأساسية في العبادة وهم أكبر مجموعة من السكان حرموا من الجنسية في العالم، منذ سحبت منهم في 1982، في عهد المجموعة العسكرية ولا تتوافر للروهنغيا، ضحايا التمييز أوراق ثبوتية، ولا يستطيعون السفر أو الزواج من دون الحصول على إذن ولا يتمكنون من الوصول إلى سوق العمل أو إلى الخدمات العامة كالمدارس والمستشفيات وأقل ما يمكن أن يوصف بهم أنهم منسيون من الإعلام والتاريخ والجغرافيا، ومهجرون برغم أنف القانون الدولي من إقليم أراكان شمالي غربي ميانمار.

وهذه المسألة تعود جذورها إلى فترة الاستعمار البريطاني حيث حرض الأخير الأغلبية البوذية على ارتكاب مذابح بحق الروهنغيا راح ضحيتها آلاف الأشخاص عام 1942، وبعد رحيل الاستعمار الإنجليزي عام 1948 وإقامة الدولة، دخلت مسألة الروهنغيا مضمار الخلاف السياسي حيث تقرر عام 1962 ضم الروهنغيا نتيجة لديانتهم الإسلامية ولونهم الغامق إلى باكستان الشرقية بنغلادش الحالية، وفي العام 1974 تم تجريد الروهنغيا من جنسياتهم الميانمارية وتقرر اعتبارهم أجانب، لتبدأ عجلة المغلوبين على أمرهم في الانتقال من قراهم حينا والتهجير عنها أحيانا بقوة السلاح كما حصل في أغسطس من العام الجاري ..سجل إنساني مفجع، لا يدركه غير أولئك الذين عاشوا وورثوا الآلام والمعاناة قبل أن يولدوا ويكون لهم في هذه الحياة حق الاختيار بين ما يراد كله وما ينال بعضه، كواحد ممن اكتوى بنار الضياع الإنساني في مخيمات بمنطقة ” تكناف” وعلى طول الخط الممتد فوق التلال المحاذية لخليج البنغال أكياس سوداء من البلاستيك وأعواد من خشب البامبو هي المأوى الوحيد الذي يحميهم من لهيب الشمس وهطول المطر، بشرة داكنة ، ملامح آسيوية، ثياب رثة ، وأقدام اختارت الوحل بديلا عن المقصلة، كل المؤشرات تقولها بصراحة الدفعة القادمة ستكون أكبر.
قد تضر أزمة لاجئي الروهنغيا والتهديد بفرض عقوبات، بجهود ميانمار لجذب استثمارات غربية مما يدفع البلاد بشكل أكبر نحو الفلك الاقتصادي الصيني ، وهروب نصف مليون من الروهنغيا في الآونة الأخيرة إلى بنغلادش، جعل الشركات الأمريكية والأوروبية تخشى على سمعتها إذا ضخت استثمارات في ميانمار ، وفي الفترة السابقة على اندلاع الأزمة في أغسطس الماضي وفي اثنائها، تراجعت الاستثمارات الغربية عن نظيراتها من شركاء ميانمار الآسيويين ومخاوف هذه الشركات ستتفاقم أكثر بسبب تقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يبحثان فرض عقوبات على أعضاء من جيش ميانمار ضالعين في أعمال عنف ضد مسلمي الروهنغيا وصفتها الأمم المتحدة بأنها / أعمال تطهير عرقي/ .

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بحقوق الإنسان ، إن قوات الأمن في ميانمار تتجاهل الإدانة الدولية وإن الوقت حان لفرض عقوبات أشد لا يمكن للجنرالات أن يتجاهلوها.

ودعت المنظمة الحكومات لفرض حظر سفر وتجميد أصول على مسؤولي أمن شاركوا في انتهاكات خطيرة وتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل جميع مبيعات الأسلحة للجيش وكذلك المساعدة والتعاون معه وفرض حظر على التعاملات المالية مع الشركات الكبرى المملوكة للجيش.

 

شارك
×