يوليو 5, 2026

الروهنغيا.. المنسيون الجدد

6 نوفمبر 2017

وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات

من جنوب شرق بنغلادش، وبالتحديد في مدينة كوكس بازار انطلقت رحلة إلى المنسيين من الإعلام والتاريخ والجغرافيا، الروهنغيا المهجرين برغم أنف القانون الدولي من إقليم أراكان شمالي غربي ميانمار.
تعود جذور مسألة الروهنغيا إلى فترة الاستعمار البريطاني حيث حرض الأخير الأغلبية البوذية على ارتكاب مذابح بحق الروهنغيا راح ضحيتها آلاف الأشخاص عام 1942.
وبعد رحيل الاستعمار الإنجليزي عام 1948 وإقامة الدولة، دخلت مسألة الروهنغيا مضمار الخلاف السياسي حيث تقرر عام 1962 ضم الروهنغيا نتيجة لديانتهم الإسلامية ولونهم الغامق إلى باكستان الشرقية؛ بنغلادش الحالية، وفي العام 1974تم تجريد الروهنغيا من جنسياتهم الميانمارية وتقرر اعتبارهم أجانب، لتبدأ عجلة المغلوبين على أمرهم في الانتقال من قراهم حينا والتهجير عنها أحيانا بقوة السلاح كما حصل في أغسطس آب من العام الجاري.
سجل إنساني مفجع، لا يدركه غير أولئك الذين كتب الله عليهم المعاناة قبل أن يولدوا ويكون لهم في هذه الحياة حق الاختيار بين ما يراد كله وما ينال بعضه، كواحد ممن اكتوى بنار الضياع الإنساني في الصومال؛ حركت الفاجعة الإنسانية في ميانمار بداخلي نيرانًا كتمتها لعقدين من الزمن. وقد يسر المولى تعالى، القافلة الإنسانية التي قادتها قطر الخيرية إلى النازحين الميانماريين، سانحة لرصد الوضع عن قرب.

النزوح نحو الجحيم
في طريقنا إلى مخيم المنسيين بمنطقة ” تكناف” وعلى طول الخط الممتد فوق التلال المحاذية لخليج البنغال أكياس سوداء من البلاستيك وأعواد من خشب البامبو هي الخباء التي تحمي الروهنغيين من لهيب الشمس وهطول المطر.
بشرة داكنة ، ملامح آسيوية، ثياب رثة ، أقدام اختارت الوحل بديلا عن المقصلة، سيدة في عقدها الثالث من المأساة ترضع ابنها الوليد حليب الارتباط بالأرض و حلم العودة.
عند وصولنا لمخيم “تكناف” وجدت الموت وأشقاءه، يحومون في أرجاء المكان، يتبخترون في انتظار استلام الدفعة القادمة من عذابات التهجير وجحيم النزوح، كل المؤشرات تقولها بصراحة الدفعة القادمة ستكون أكبر، فمقومات الحياة منعدمة، والموت حتمي إذا حضر الجحيم.

روايات مسجلة.. أرواح مهدورة
يروي غازي حمزة ” 76 عاما ” وهو متكئ على عكازه كيف تم مهاجمتهم قبل الفجر وقتل 4 من أفراد أسرته و3 من جيرانه واغتصاب نسائه في حملة تطهير عرقي راح ضحيتها 200 شخص بحسب روايته.
يقول حمزة ” سمعنا عن مجازر يقوم بها الجيش الميانماري بالقرب منا، هممنا بالهروب عند طلوع الفجر، وفجأة تم مباغتتنا، وقُتل أغلب سكان القرية ومنهم أسرتي ” يبكي حمزة وعكازه يهتز يكاد لا يحمله.
“أن نقتل بالرصاص أو ننحر كما تنحر الشاه أو أن نغتصب قبل الرحيل هذه الخيارات المتاحة لنا تقولها “لول وره ” 40 عاما ” والدموع في عينها بعد أن تم اغتصاب ابنتها ” أخذوها بالقوة من حضني”؛ وأدخلوها مع نساء أخريات لغرف مغلقة بعدها حدث ما حدث. رحلنا عن “لول وره” التي لم تستطع إكمال قصة هروبها لتلاحقها تفاصيل القصة مدى الحياة.
إلى غرب المخيم المكتظ بالنازحين لنلتقي بالناجية الصغيرة حتوه محمد تحكي “12 عاما ” كيف نزحت مع أمها بعد أن قتل أباها تحت تعذيب الجيش الميانماري ” اقتحموا علينا المنزل ونحن نستعد للمغادرة بعد أن سمعنا بقدومهم ، حاول أبي التصدي لهم ولكنهم قتلوه أمام أعيننا. الدموع في عينها توقفت عن الحديث معنا تنتحب الصغيرة وتبكي شأنها شأن الكبار في هذه المأساة الإنسانية.

الموت المقدس لا يتوقف !
أرقام المهجرين إلى بنغلادش والمعذبين في الخباء المرفوعة على خليج البنغال تعد بلا قيمة عند السير بين هؤلاء الثكالى بالهموم والآلام والنظر في أعينهم المليئة بالحسرة على عالم تخلى عنهم. أنا القادم من بلاد أنهكتها الحروب قد أفهم أكثر من غيري أن مأساة الروهنغيا لن تحل قريبا بعكس ما تروج له مؤسسات إعلامية وحقوقية.. صدقوني الموت إذا ما كان باسم الرب لن ينتهي إلا ليبدأ.
انطلاقاً من مذبحة الأرمن ورواندا وسربرنيتسا بالبوسنة والهرسك وانتهاء بمجزرة الروهنغيا، جميع هؤلاء قتلوا باسم الرب ومرة باسم الوطن وأخرى باسم العدالة الإنسانية.

شارك
×