يوليو 6, 2026

محمد الندوي لـ “محيط”: بورما تريد كسر العمود الفقري الاقتصادي للمسلمين

7 ديسمبر 2014
وكالة أنباء أراكان ANA: (محيط)
حوار : محمد علاء الدين
*الروهنجيون يعاملون كالأجانب ومحرومون من الحد الأدنى لمقومات الحياة
*الرهبان البوذيون والحكومة البورمية وجهان لعملة واحدة
*90 % المعونات الإغاثية المقدمة للمسلمين نهبت من قبل البوذيين
*أدعو الدول الإسلامية بتوفير المنح الدراسية في كافة التخصصات للطلاب الروهنجيا
كشف محمد أمين الندوي، مدير معهد بحوث ودراسات الرُّهنجيا، والمنسق العام لجمعية العلماء الرُّهنجيا أركان( بورما – ميانمار)، عن عدد من الانتهاكات التي يتعرض لها المسلمون في ولاية أراكان.
وأشار إلى استمرار عمليات اللجوء إلى يومنا هذا، وارتفاع عدد اللاجئين غير المسجلين وغير المعترف بهم كلاجئين من قبل مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة وحكومة بنغلاديش.
كما تطرق في حواره إلى العلاقات التاريخية التي تربط دولة أراكان بالعرب والمسلمين وإلى التفاصيل :
نريد أن نلقى الضوء على الخلفية التاريخية لدولة أراكان؟
كانت أركان دولة إسلامية منذ عام 1430م احتلتها بورما في 28 ديسمبر عام 1784م، وتعد الآن ضمن ولايات بورما الاتحادية، والمسلمون يشكلون فيها أغلبية.
علاقة الإسلام بأركان وطيدة جداً حيث يثبت من كتب المؤرخين أن مملكة أركان لها علاقة جيدة مع الخلفاء المسلمين أيام الخلافة الأموية والعباسية، وكانت المراسلة وتبادل التحف والهدايا مستمرة بينهم، وكذلك يوفد كلا الطرفين البعثات الدبلوماسية والتجارية والسياحية بين حين وآخر، وبطلب من ملك أركان فقد أوفد إليه خلفاء المسلمين بوفد يضم عددا من الدعاة والمصلحين، وبفضل دعوتهم انتشر الإسلام في ربوع أركان واعتنق معظم سكان أركان الإسلام طواعية.
وأركان اسم عربي إسلامي حيث يثبت من كتاب المؤرخ الأركاني الشهير محمد خليل الرحمن الأركاني بأن المسلمين قاموا في هذه المنطقة بالدعوة إلى الإسلام وإتباع أركانه الخمسة التي بني عليها الإسلام، فأعتنق ملك رخـام “غولنغي” الإسلام بيد الداعي المسلم الأمير حمزة، وتلقن الدرس منه عن أركان الإسلام الخمسة، فسمي مملكته بأركان يراد به أرض أركان الإسلام أي موطن المسلمين ومركزهم في هذه المنطقة.
وكذلك ذكر المؤرخون عن محمد ابن الحنفية أو محمد حنيفة وعلاقته بأركان واعتناق الإسلام ملكة أركان “كايافري” بيده وحكومة الشيخ عبد الله في أركان، كما ذكر كثير من المؤرخين بأن العرب أنشؤوا في أركان مملكة عربية إسلامية مستقلة بين القرن السابع والقرن الثاني عشر الميلادي ومسلمو أركان يسمون روُهنجيا منسوباً إلى رُهنج وهذا تصحيف من الرهمي أو “الرهمة/ الرهيمة” والرهيمة ضيعة قرب الكوفة.
هل هناك أبعاد تاريخية تربط المسلمين الروهنجيين بالعرب؟
تعود العلاقات بين العرب وأراكان إلى ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام كما تصرح بذلك بعض المصادر القديمة، ومن أقدم هذه المصادر التي تشير إلى ذلك  المخطوطة اليونانية Periplus of Erythraean Sea، حيث ورد فيها أن العرب كانوا يسافرون إلى شواطئ الهند وأراكان بالسفن الشراعية لأغراض تجارية.
ويذكر أن ملوك أراكان أرسلوا الهدايا إلى رسول الله ﷺ، ثم أن ملك أراكان كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وطلب بإرسال الدعاة إليه نصه مايلي: “فإني قد أرسلت إليك هدية، وليس بهدية ولكنها تحفة، فابعث إليّ بما جاء به نبيكم من حرام وحلال وابعث إليّ من يبيّنه لي”.
كما نجد رسالة مماثلة من ملك أراكان إلى عمر بن عبد العزيز نصه: “فإني قد بعثت إليك بهدية وما هي بهدية  ولكنها تحية وقد أحببت أن تبعث إليّ رجلا يعلّمني ويفهّمني الإسلام”.
كما توجد مراسلات وتبادل الهدايا بين ملوك أراكان وخلفاء المسلمين أمثال هارون الرشيد ومأمون الرشيد. مما أدى إلى انتشار الإسلام في ربوع أراكان واعتنق معظم سكان أراكان الإسلام طواعية.
ومن ناحية أخرى نرى الأواني الفخارية التي تم العثور عليها من العصر الهلنستي في جلفار رأس الخيمة حاليا التي تعود إلى مدينة “توانتي” البورمية يدل على مدى علاقة العرب بالمنطقة .
كما أن الملاحين العرب كانوا ينزلون في مرفئها ويتبادلون عنده البضائع التجارية، وأغلب الظن أنهم كانوا ينطلقون من ذلك الميناء برا إلى الشرق الأقصى كبلاد التبت والصين، وهذا يدل على أن الصلات التجارية بين البلاد العربية وبلاد أراكان عن طريق البر والبحر كانت معروفة منذ عهد قديم، وأن التجارة كانت مزدهرة وبشكل خاص في العصر الهلنستي، ويبدو أنه كان للتجار العرب هيمنة على تلك التجارة آنذاك، ولعل ذلك يرجع إلى نشاط عرب البحرين وعمان وسواحل الجزيرة العربية وبقية بلدان الخليج العربي في الملاحة البحرية وزيادة إقبالهم على تجارة الشرق، واستمر نشاطهم البحري طوال العصور الجاهلية وبعد ظهور الإسلام، ونجح العرب في تكوين جاليات لهم على سواحل الهند وأراكان خلال تلك الفترة من التاريخ.
وتشير تقارير المؤرخين بأن الحركات التجارية والملاحية مزدهرة بين العرب وأراكان مابين القرن الثالث قبل الميلاد والثاني عشر بعد الميلاد أدى إلى قيام المستوطنات العربية حتى أن العرب أنشؤوا في منطقة أراكان وشيتاغونغ دولة عربية إسلامية ويلقب ملوكهم بالسلطان.
كم يبلغ عدد المسلمين؟
جميع الإحصائيات والتعداد السكاني الذي يجري من قبل الحكومة البورمية فيه تلاعب وتوجد فيه عيوب من الناحية القانونية كتعداد عام 2014 م، وآخر الإحصائيات والتعداد السكاني المتفق عليه في أراكان وبورما كان في عام 1921م أيام حكم الاستعمار البريطاني.
 وبحسب هذه الإحصائية فإن عدد المسلمين في أركان (208961) مائتان و ثمانية ألف و تسع مائة وواحد وستون مسلما .
وفي ضوء نظرية العالم الديموغرافي “مالتوس” فإن عدد السكان يتضاعف كل عشرين سنة، بناءً عليها فإن عدد المسلمين في أراكان لا يقل عن خمسة ملايين نسمة في عصرنا الحاضر ينقصه القتلى في المجازر التي تجري ضدهم بين حين وآخر  مثل مجزرة عام 1942م التي قتل فيها مائة ألف مسلم.
إذا كان من يقود المجازر في بورما هم الرهبان البوذيون، فماذا عن حكومة ميانمار، وكيف يتعامل  
النظام البورمي مع المسلمين؟
الرهبان و الحكومة وجهان لعملة واحدة و الحكومة فشلت فشلا ذريعاً في توفير أدنى درجات الأمن للمسلمين ، كما أن الحكومة البورمية تعامل المسلمين على أنهم أجانب دخلاء غير شرعيين تسللوا إليها و ليس لهم الحق بأدنى مقومات الحياة.
يعيش المسلمون بأراكان “بورما” سابقًا أوضاعًا اقتصادية ومعيشية صعبة، فما هي أبرز المشاكل
 التي تواجههم في الداخل؟
من أبرز المشاكل للمسلمين هي عدم السماح لهم ممارسة نشاطاتهم الاقتصادية كمواطنين و المضايقات الكثيرة تفرض عليهم في أعمالهم إضافة إلى ذلك الضرائب الباهظة تفرض عليهم بغية كسر العمود الفقري الاقتصادي للمسلمين.
ومن أكبر المآسي التي يتعرض  لها مسلمي أركان  من وجهة نظري هو عدم معرفة العالم ما يجري عليهم من التعذيب والتنكيل وحرمانهم من الحقوق الإنسانية الأساسية وحرمانهم من حق حصول العلم والمعرفة والمعونات الطبية والصحية والعلاج وما إليه بسبب عدم الاهتمام بهم من قبل الصحافة من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم استطاعة دخول الإعلام وجمعيات حقوق الإنسان ومنظمات الأطباء إلى ديارهم وهم معرضون لخطر نسيان الهوية والمعرفة الذاتية الإسلامية والإبادة والذوبان من ناحية ويعانون من الأمراض والأموات بسبب عدم الحصول الخدمات الطبية من ناحية أخرى.
يفر المسلمون الروهنجيون من جحيم المجازر البوذية إلى الحدود التايلندية وأندونسيا،  فما تداعيات هذا الهروب؟ وما تأثيره على القضية الروهنجية؟
تداعيات هذا الهروب سيئة وتأثيره وخيم جدا على القضية، فهناك تقليص عدد الروهنجيا من ناحية ومن الناحية الثانية محاولة التغيير الديموغرافي للمنطقة باستيطان البوذيين من الدول المجاورة مكانهم حيث تعد من الجرائم في القانون الدولي.
الحكومة البورمية طردت مؤخرًا العديد من المنظمات الإغاثية، فإلى أي مدى سيؤثر هذا القرار على الوضع الإنساني داخل بورما؟
حكومة بورما تطرد المنظمات الإغاثية أحيانا وتستقبلها أحيانا بضغوط دولية، وهذا يفاقم الوضع الإنساني من سيء إلى أسوأ.
الحقيقة المرة هي أن (90) في المائة من المعونات المقدمة إلى المسلمين يستفيد منها البوذيون بالاستيلاء عليها إما بالسلب والنهب وإما بطرق أخرى ولا شك أن هذه الممارسات تسبب عرقلة عمل المنظمات الإغاثية.
نريد أن نلقي الضوء على صور من الانتهاكات التي تتعرض لها الأقلية الروهنجية المسلمة؟
إن الحكومة البورمية تقوم بالقتل والتصفية الجسدية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والحرمان من حق المواطنة والجنسية ضد المسلمين الرُوّهنجيا وعدم الاعتراف بحقوقهم.
كما تقوم الحكومة بإجبارهم على العمل القسري بدون أجر، ومصادرة الأراضي والممتلكات، و الاعتقال العشوائي بدون توجيه تهمة، وسلب الأموال ونهب ثروات المسلمين، و حرق وتدمير بيوت وقرى المسلمين وإجلائهم.
وقد فرضت الضرائب الباهظة العشوائية عليهم، كما فرضت الحكومة حظرا جائرا على بناء وترميم وصيانة المساجد والمدارس الإسلامية، كما تم إغلاق كافة المدارس الإسلامية ومساجد المسلمين في أراكان الشمالية وتدمير العديد منها منذ المجزرة عام 2012م لكن ما رأينا جهودا مثمرة لإعادة فتحها حيث لا يوجد في العالم أي منطقة محظورة للمساجد إلا بورما.
وكذلك قامت الحكومة بالتغيير الإجباري لمكان إقامتهم وطردهم وتشريدهم وإبعادهم إلى خارج البلاد، واستيطان البوذيين مكانهم بغية التغيير الديمغرافي للسكان.
وقد فرض عليهم الحظر الجائر في أداء الشعائر الدينية وممارسة العبادة حتى أن الزواج والنكاح خاضع لقيود جائرة ويحتاج إلى ترخيص من السلطات بتقديم المبالغ الباهظة إضافة إلى ذلك فإنهم حرموا من حرية التنقل والحركة، وهكذا صارت منطقتهم معسكرا للاعتقال والتعذيب.
كما أن الحكومة قامت ببرامج منظمة لنشر البطالة والأمية والجهل في صفوف المسلمين الرُوّهنجيا, وعدم إعطائهم الحق في الوظيفة والتعليم، وتمارس التمييز العنصري في أوسع نطاق.
كيف هي أوضاع اللاجئين بالخارج؟ وكم يقدر عددهم؟
عمليات اللجوء مستمرة إلى يومنا هذا، لذلك يزداد يوما بعد يوم عدد اللاجئين غير المسجلين وغير المعترف بهم كلاجئين من قبل مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة وحكومة بنغلاديش.
ويقدر عدد اللاجئين الرُّوهنجيا في العالم ما يقارب نصف عددهم الإجمالي خمسة ملايين رُوهنجي في أركان والذين هاجروا وطنهم جراء حملات الإبادة ضدهم منذ عام 1942م حيث قتل في هذا العام وحده مائة ألف مسلم وشرد نصف مليون.
وأذكر لك ما قالته منظمة “أطباء بلا حدود” المنظمة الإنسانية الحائزة على جائزة نوبل والتي عملت لفترة طويلة في مخيمات اللاجئين الرُّوهنجيا في بنغلاديش علقت على أوضاع الرُوّهنجيا: “يعتبر الرُّوهنجيا واحدة من عشرة مجموعة من السكان في العالم المهددة بالانقراض”، كما وصفت الأمم المتحدة بـ”أنهم أكثر اضطهادا على وجه الأرض”.
رسالة أخيرة توجهها من خلال ”محيط”؟
مشكلة المسلمين الرُّوهنجيا فريدة من نوعها بحيث أنهم حرموا من الجنسية والمواطنة في وطنهم الأم وبالتالي هم حرموا من كافة حقوقهم ولأكثر من مائتي سنة هم يعانون من أبشع أنواع الظلم والاضطهاد.
ومن هنا وقعت المسئولية على عاتق الأمة الإسلامية للقيام بتربية أبنائهم بالتعليم الإسلامي  والثقافة الإسلامية وتوفيرهم المنح الدراسية في التخصصات التي تؤهلهم للقيام بدور فعال في مجالات الإعلام و حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين والتخصصات في القانون الدولي في مجال الجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب والجرائم حول الإبادة والتطهير العرقي والتمييز العنصري والتغيير الديموغرافي و تخصص لهم المقاعد في الجامعات ويفتح لهم معهدا للدراسات التأهيلية بالتخصصات اللازمة حيث تخرج كوادر من المثقفين و الخبراء الدبلوماسيين ذو كفاءة ومؤهلات القادرين على تكوين اللوبي لصالحهم ولتقوم بدور ريادي فعال لإبراز قضيتهم في المحافل الدولية بحيث تكسب الرأي العام الدولي الضاغط المؤثر على الحكومة البورمية وعلى حكومة ولاية أراكان البوذية الحاقدة على المسلمين. كما يحتاج إلى تعيين الدعاة منهم لنشر الدعوة الإسلامية في مجتمعهم ويكون سدا منيعا أمام الحملات الهدامة.
المسلمين الرُوّهنجيا في حاجة ملحة إلى من يقوم بترشيدهم والأخذ بأيديهم في ظل هذه الظروف العصيبة، وأطلب من الصحافة نشر المزيد عن أوضاع وظروف الرُوّهنجيا كما أطلب من الجهات المعنية القيام بالمبادرة الفعالة لتأهيل وتمكين أبناء الشعب الرُّوهنجيا كي يتمكنوا القيام بحل ومعالجة مشاكلهم بأنفسهم.
شارك
×