الأمم المتحدة وأزمة الروهينجا: التوقعات والواقع

لاجئون من الروهينجا في مخيم "كوتوبالونغ" في بنغلادش 24-3-2020 (صورة: AFP)
لاجئون من الروهينجا في مخيم "كوتوبالونغ" في بنغلادش 24-3-2020 (صورة: AFP)
شارك

تمثل أزمة الروهينجا واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية مأساويةً وإلحاحاً في القرن الحادي والعشرين، فمنذ عام 2017 شن الجيش في ميانمار حملات وحشية ضد أقلية الروهينجا المسلمة تسببت في عنف واسع النطاق وعنف جنسي ممنهج وعمليات نزوح ضخمة، ونتيجةً لذلك، فر أكثر من 700 ألف روهنجي بحثاً عن ملجأ في بنغلادش، وهو الوضع الذي وصفته الأمم المتحدة ومنظمات دولية مختلفة بأنه تطهير عرقي، فيما أثيرت أيضاً مزاعم خطيرة بشأن ارتكاب إبادة جماعية.

وخلال هذا الأسبوع وبعد 11 شهراً من القتال، تمكن جيش أراكان (الانفصالي) من السيطرة على مدينة “مونغدو” في ولاية أراكان، ومع وجود المدينة تحت سيطرة جيش أراكان فمن المتوقع أن تحدث موجات تدفق جديدة للاجئي الروهينجا نحو بنغلادش التي تستضيف 1.2 مليون لاجئ روهنجي تقريباً داخل مخيمات اللجوء المكتظة وخاصةً في منطقة “كوكس بازار”.

وتمثل الأزمة اختباراً للمهمة الأساسية للأمم المتحدة المتمثلة في تعزيز وحماية السلام والأمن الدوليين وحقوق الإنسان وتحدياً لفعاليتها ومكانتها الأخلاقية، وللتجاوب مع تلك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان انخرطت الأمم المتحدة في تقديم المساعدات الإنسانية وجهود التحقيق والاستراتيجيات الدبلوماسية.

ولفهم انخراط الأمم المتحدة في الأزمة من الهام معرفة تاريخ التمييز والتهميش الطويل الذي تعرض له الروهينجا في ميانمار، فقد عاشت أجيال متتابعة من الأقلية المسلمة في ولاية أراكان إلا أنهم غير معترف بهم كإحدى الجماعات العرقية في ميانمار وتم اعتبارهم عديمي الجنسية بموجب قانون الجنسية لعام 1982 الذي جردهم من حقوق المواطنة وحرمهم من الحصول على الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم وحرية التنقل.

وكان أكبر إسهام للأمم المتحدة في أزمة الروهينجا هو المساعدات الإنسانية التي تقودها بشكل رئيسي مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون للاجئين (UNHCR) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) ولعبت هذه المنظمات دوراً هاماً في توصيل المساعدات إلى لاجئي الروهينجا في مخيمات اللجوء الضخمة في منطقة “كوكس بازار” في بنغلادش والتي تستضيف الآن أحد أكبر مجتمعات الاجئين حول العالم.

ورغم تلك المبادرات فقد واجهت الجهود الإنسانية للأمم المحدة عقبات كثيرة أكثرها إلحاحاً هو نقص التمويل المزمن، وتشير التقارير إلى أن نداءات التمويل التي أطلقتها الأمم المتحدة لدعم لاجئي الروهينجا فشلت مراراً ما جعل وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي تعاني من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية، وتسلط فجوة التمويل الضوء على مشكلة أكبر تمثل في إرهاق المانحين وخاصةً مع استمرار الأزمة دون حل في الأفق.

وعلاوةً على ذلك، كان تدخل الأمم المتحدة السياسي في أزمة الروهينجا أكثر إثارة للجدل والانتقاد من جهودها الإنسانية، فقد اتسمت التفاعلات الدبلوماسية مع ميانمار بالفرص الضائعة ونقص العزم والميل لاحترام السيادة الداخلية لميانمار ما حد من قدرة المجتمع الدولي على منع الفظائع.

وفي السنوات السابقة لأزمة عام 2017 تبنت الأمم المتحدة سياسة التعامل الحذر مع ميانمار خاصة بعد تحول البلاد إلى حكومة شبه مدنية في عام 2011، وقد اعتبرت هذه الفترة بمثابة وقت الإصلاح الديمقراطي، وخلال هذه المرحلة ترددت الأمم المتحدة في ممارسة ضغوط كبيرة على ميانمار فيما يتعلق بوضع الروهينجا مخافة أن يؤدي ذلك إلى المخاطرة بالتقدم الديمقراطي الهش.

وتتعقد جهود الأمم المتحدة أيضاً بسبب الانقسام داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فقد حجبت روسيا والصين العضوين الدائمين بالمجلس بشكل مستمر قرارات حاسمة دفاعاً عن سيادة ميانمار، وقاومت الصين التدخلات الدولية بسبب مصالحها الاستراتيجية في ميانمار والتي تشمل استثمارات اقتصادية ضخمة ورغبة جيوسياسية للاحتفاظ بالتأثير في المنطقة، ونبعت المعارضة الروسية من موقفها الأوسع تجاه التدخلات بقيادة غربية في الدول ذات السيادة.

ونتيجة لذلك، ظل مجلس الأمن غير قادر على تمرير أي قرارات ملزمة فيما يتعلق بميانمار ما جعل استجاباته مقتصرة على بيانات إدانة غير ملزمة ونداءات للتحقيق، ويلقي الجمود الدبلوماسي الضوء على التحديات الأوسع التي تواجهها الأمم المتحدة في اتخاذ خطوات حاسمة عندما تتعارض مصالح الدول القوية، وهو الأمر الذي يعيق قدرتها على الوفاء بواجبها الأخلاقي بمنع الفظائع.

سعت الأمم المتحدة إلى محاسبة المسؤولين عن الفظائع التي ارتكبت من خلال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وبعثتها الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ميانمار، وخلصت هذه البعثة إلى أن الجيش في ميانمار تصرف بنية الإبادة الجماعية وأوصت بمحاكمة كبار المسؤولين العسكريين.

كما فتحت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) تحقيقاً في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية من قبل ميانمار، فيما قبلت محكمة العدل الدولية (ICJ) قضية رفعتها غامبيا تتهم فيها ميانمار بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

وتوضح هذه التطورات التزام الأمم المتحدة بإعلاء القانون الدولي وضمان عدم فرار مرتكبي الجرائم الخطيرة من العدالة.

ورغم ذلك، ظل السعي نحو المحاسبة بطيئاً بشكل محبط ورمزياً إلى حد كبير، وأظهرت ميانمار القليل من الاستعداد للتعاون مع التحقيقات الدولية، و في حين أن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بسلطة التعامل مع بعض الجرائم العابرة للحدود إلا أنها تفتقر إلى السلطة القضائية الكاملة على ميانمار لأن البلاد ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، وقد قيد هذا بالفعل نطاق التحقيق بشكل كبير.

وتسلط الأزمة الضوء أيضاً على أوجه القصور في التزام الأمم المتحدة بمبدأ “المسؤولية عن الحماية” الذي نشأ بعد الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة، ويفترض هذا المبدأ أن المجتمع الدولي لديه واجب أخلاقي بالتدخل عندما تفشل الدول في حماية سكانها من الفظائع، ولكن في الواقع طبق مبدأ “المسؤولية عن الحماية” نادراً وخاصة في السيناريوهات التي تنطوي على مصالح الدول القوية، وتشكل أزمة الروهينجا مثالاً واضحاً على الصعوبات التي تكتنف فرض مبدأ “المسؤولية عن الحماية” في عالم تكون الغلبة فيه غالباً للعوامل الجيوسياسية على الاحتياجات الإنسانية.

كما أن اعتماد الأمم المتحدة على المساهمات الطوعية من الدول الأعضاء لدعم الجهود الإنسانية يخلق حالة من الضعف الدائم، فعندما تحول الدول المانحة تركيزها أو تفقد اهتمامها، تتأثر قدرة الأمم المتحدة على تقديم المساعدات بشكل كبير.

ولتعزيز فعالية الأمم المتحدة في معالجة أزمة الروهينجا، يجب وضع استراتيجية شاملة تستهدف نقاط الضعف البنيوية والعملياتية، ومن الأهمية بمكان إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وخاصة عبر تقليص قوة حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول دائمة العضوية، ومن الممكن أن يتحسن تجاوب الأمم المتحدة مع الأزمات عبر تنفيذ آليات تسهل التدخلات الإنسانية العاجلة حتى في مواجهة حق النقض.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي للأمم المتحدة أن تعزز تعاونها مع المنظمات الإقليمية مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لممارسة الضغوط الدبلوماسية على ميانمار، وضمان المساءلة والعودة الآمنة والطوعية للاجئي الروهينجا، كما ينبغي أن تكون الجهود الإنسانية التي تبذلها الأمم المتحدة مستدامة وممولة بشكل كاف، وأن يتحول التركيز من الإغاثة الفورية إلى الحلول طويلة الأجل مثل إعادة التوطين وتحسين الظروف المعيشية للروهينجا في بنغلادش.

ولمعالجة نقص التمويل يمكن للأمم المتحدة النظر في استراتيجيات تمويل مبتكرة منها الشراكات مع القطاع الخاص أو مبادرات التمويل الجماعي العالمية، وفيما يتصل بالمساءلة يتعين على الأمم المتحدة أن تواصل الدعوة إلى اتخاذ إجراءات قانونية دولية، وضمان حصول التحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية والإجراءات التي تتخذها محكمة العدل الدولية على الدعم الكامل وأن تحدث بالسرعة الضرورية، كما أنه من خلال توسيع نطاق اختصاص هذه الهيئات يمكن منع الفظائع في المستقبل وإظهار التزام أقوى بالعدالة.

وفي نهاية المطاف، فإن اتباع نهج دبلوماسي أكثر استباقية ومبادرة وإجراء إصلاحات بنيوية وتعزيز التعاون الإقليمي وتبني استراتيجيات تمويل تعد جميعها أمور محورية لتحسين فعالية الأمم المتحدة في معالجة أزمة الروهينجا.

إن أزمة الروهينجا بمثابة تذكير صارخ بالتحديات التي تواجهها الأمم المتحدة في التعامل بفعالية مع الفظائع الجماعية في عالمنا اليوم، ورغم أن الأمم المتحدة كانت حيوية في تقديم المساعدات الإنسانية وتوثيق الجرائم ضد الروهينجا إلا أن استجابتها الشاملة تعرقلت بسبب أوجه القصور الدبلوماسية وعدم كفاية التمويل لجهود الإغاثة والسعي البطيء لتحقيق العدالة، ويسلط هذا الوضع الضوء على الحاجة الملحة إلى الإصلاح داخل منظومة الأمم المتحدة وخاصة فيما يتعلق بتطوير آليات أكثر فعالية لمنع مثل هذه الفظائع.

*(الكاتب: د. محمد قمر الحسن: هو باحث في الإدارة العامة وإدارة الأزمات العابرة للحدود، نشر نشر المقال في موقع “ذا بيزنس ستاندرد” وترجمته وكالة أنباء أراكان)

شارك
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لوكالة أنباء أراكان

آخر الأخبار

القائمة البريدية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.