تُعد أزمة الروهينجا واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، حيث اتسمت بالعنف والتهجير وأزمة هوية عميقة، هذه المأساة المتجذّرة في عقود من الاضطهاد المنهجي لأقلية الروهينجا المسلمة في ولاية أراكان غربي ميانمار، تجاوزت الحدود وأثقلت كاهل الدول المجاورة، وعلى رأسها بنغلادش.
فمنذ حملة القمع العسكرية الوحشية في أغسطس 2017، والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها “نموذج تطبيقي للتطهير العرقي”، فرّ أكثر من مليون من الروهينجا إلى كوكس بازار، ليُحوّلوا المنطقة إلى أكبر مخيم للاجئين في العالم، وبينما نالت بنغلادش إشادة عالمية على كرمها الإنساني، فقد كشفت الإقامة الطويلة للاجئين عن تداعيات اجتماعية واقتصادية وبيئية وأمنية معقدة.
الروهينجا، وهم أقلية عرقية ودينية مضطهدة من ولاية أراكان، حُرموا بشكل منهجي من الجنسية والحقوق الأساسية بموجب قانون الجنسية القمعي لعام 1982، ورغم جذورهم العميقة في البلاد، وُصفوا بكونهم “دخلاء غير شرعيين”، وتعرضوا لاضطهاد متواصل بلغ ذروته في حملة 2017 التي شهدت مذابح وعنفاً جنسياً واسع النطاق وتدمير قرى بأكملها، ما أدى إلى موجة نزوح غير مسبوقة.
وقد تسببت الأزمة في أضرار بيئية جسيمة في كوكس بازار، وتحولت المخيمات إلى بؤر للجريمة والتطرف، مما فاقم التحديات الأمنية وأرهق قوات إنفاذ القانون، كما تهدد الفوضى في ميانمار أمن الحدود البنغلادشية، خاصة في ظل تعنت المجلس العسكري في ضمان عودة آمنة وكريمة للاجئين، وهو ما ينذر بتحول الأزمة إلى حالة طويلة الأمد ذات تداعيات إقليمية واسعة.
وعلى الرغم من الإدانات الدولية المتكررة لممارسات ميانمار، فإن التقدم الملموس يكاد يكون معدوماً، فقد تراجعت المساعدات المالية من المانحين بشكل مقلق، ما جعل وكالات الإغاثة تكافح لتلبية الاحتياجات الأساسية في المخيمات، كما بدأت محكمة العدل الدولية إجراءات قانونية ضد ميانمار بتهمة الإبادة الجماعية، إلا أن آليات التنفيذ بطيئة وغير مُلزِمة.
ينبغي على دكا أن تضغط بقوة من أجل ضمانات دولية مُلزمة بشأن سلامة الروهينجا وحقوقهم في الجنسية وإعادة إدماجهم بعد عودتهم، ويفضل أن يتم ذلك من خلال بعثة لحفظ السلام أو مراقبة تحت مظلة الأمم المتحدة في ولاية أراكان، إن وجوداً دولياً غير مقيد، خصوصاً للوكالات التنموية وهيئات الأمم المتحدة، ضروري لإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة أراضي الروهينجا، وضمان مراقبة صارمة لحقوق الإنسان.
كما يجب تعميق الانخراط الاستراتيجي مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتفعيل الضغط الدبلوماسي عبر منصات متعددة الأطراف مثل منظمة التعاون الإسلامي (OIC)، ورابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي (SAARC)، ومنظمة (BIMSTEC)، ويُعد بناء توافق إقليمي مع قوى محورية مثل الهند والصين وتايلاند وماليزيا أمراً ضرورياً لعزل ميانمار سياسياً وأخلاقياً.
ويُعتبر التوصل إلى اتفاق عالمي قانوني ملزم يتضمن التزامات قابلة للتنفيذ وإطاراً زمنياً لإعادة التوطين أمراً أساسياً، ويمكن لاختبار تجريبي لبرنامج إعادة التوطين يضمن المواطنة الكاملة والحماية والإدماج، أن يمهّد الطريق لحل شامل، ويكمن في إلغاء أو تعديل قانون الجنسية القاسي لعام 1982، ويجب على بنغلادش وحلفائها المطالبة بمسار قانوني واضح وملزم نحو المواطنة، تدعمه رقابة دولية صارمة وجداول زمنية محددة.
وتقاسم العبء أمر حتمي، فعلى الدول المتقدمة استقبال لاجئين من الروهينجا لتخفيف الضغط على بنغلادش وإظهار التضامن، وللتصدي لحالة “إرهاق المانحين”، يجب تعزيز المناصرة العالمية والشفافية في توزيع المساعدات، كما يجب على بنغلادش إصلاح نظام إدارة المخيمات من خلال التسجيل البيومتري، وإشراف المنظمات غير الحكومية، وضبط النشاطات المتطرفة، وتعزيز سلطة إنفاذ القانون، كما يُعد توسيع برامج التعليم والتدريب المهني ضرورياً للحد من خطر التطرف، وتحتاج البلاد إلى تخطيط مستدام يتضمن البناء الصديق للبيئة، وإعادة التشجير، وإدارة النفايات للحد من الأثر البيئي.
كما تحتاج بنغلادش إلى سياسة لجوء قوية، إذ أن غياب الوضع القانوني الرسمي يترك الروهينجا في فراغ قانوني، وسيُحسّن إنشاء إطار وطني للجوء متوافق مع المعايير الدولية من الحوكمة ويوفر حماية أفضل للحقوق، وعلى جنوب آسيا اعتبار الأزمة قضية إقليمية، وتأسيس تعاون مؤسسي في مجال الأمن وتبادل المعلومات والاستجابة للكوارث.
تمثل أزمة الروهينجا تذكيراً قاسياً بفشل العالم في حماية أكثر الفئات ضعفاً، وفي حين أن بنغلادش أبدت قدراً استثنائياً من التعاطف، فإن صبرها ليس بلا حدود، ومع دخول الأزمة عامها الثامن دون حل دائم في الأفق، فإن الحاجة إلى استراتيجية جديدة واقعية ومستدامة باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
لا يمكن ولا يجب ترك بنغلادش تتحمل هذا العبء وحدها، وعلى المجتمع الدولي أن يترجم خطاباته إلى أفعال وموارد ملموسة، فبالمسؤولية المشتركة والدبلوماسية المستمرة والتخطيط طويل الأمد، يمكن للروهينجا أن يجدوا مستقبلاً، ويمكن لبنغلادش أن تحافظ على استقرارها، الوقت يداهم والحل لا يحتمل مزيداً من التأجيل.
(الكاتب: محمد جوني ميا، أستاذ مساعد بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة نواخالي للعلوم والتكنولوجيا في بنغلادش، كُتب المقال بموقع “Observerbd” وترجمته وكالة أنباء أراكان)