وكالة أنباء أراكان
كتب: تهاني علي
لم تعد الحملات الدينية أو “النصرانية” تحديدا، تستخدم الحملات العسكرية للتأثير على مجتمعات تختلف معها دينيا، بل تحول أسلوبها للنشر إلى أسلحة “خفية”، بالمعنى الدقيق تحولت إلى سلاح آدمي يلبس ثوب صاحب الفضيلة، ولسانه يترجم أفكاراً نصرانية، معتمدة على الاقناع والحوار سبيلا للتأثير، ومن هنا صار البعض يطلق عليه “التنصير الناعم”.
وفي واحدة من أكثر مناطق اللجوء هشاشةً في العالم، حيث يعيش مئات الآلاف من لاجئي الروهينجا داخل المخيمات المكتظة جنوب بنغلادش، تنطلق بقوة وبطريقة ممنهجة محاولات الاستقطاب الديني العابرة للحدود، بطريقة ناعمة سواء بالتواجد على الأرض أو عبر الفضاء الرقمي الواسع، لتمس هويتهم وانتمائهم الديني الإسلامي.
قواعد بيانات للاستقطاب
مع غياب الحضور الدعوي المنظم، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل المخيمات، وجدت بعض الجهات التنصيرية فرصة سانحة للتسلل إلى مجتمع مسلم منكوب، عبر أدوات ناعمة وأساليب إغاثية ظاهرها الرحمة وباطنها الاستقطاب العقدي”، هذا ما وصفه اتحاد روهينجا أراكان، في تقريره عن أوضاع اللاجئين الروهينجا في مخيمات بنغلادش العام الماضي.
وذكر التقرير بشكل مفصل أدوات “التنصير الناعم” بطرق عدة، أبرزها تقديم دروس محو الأمية بالإنجليزية بمضامين إنجيلية، وإطلاق مجموعات دينية عبر منصات التواصل الاجتماعي بشكل سري، وعود مشروطة بالتوطين في دول مسيحية.
ولفت تقرير اتحاد روهينجا أركان، إلى أن الأرقام يبدو ظاهرها ضعيف غير مؤثر، لكن يكشف عن الحجم التراكمي لمن غيروا ديانتهم إلى المسيحية، حيث البداية ب 150 شخصا في عام 2018 وبلغ 1300 شخصا في منتصف العام 2025، ليرتفع العدد التراكمي لمعتنقي المسيحية إلى نحو ستة الآف، غالبيتهم من النساء، وبزيادة تفوق 700% خلال سبعة أعوام.
كما تظهر مراجعة المنصات الرقمية لمنظمات تبشيرية دولية مثل “مشروع يشوع” أن الروهينجا ليسوا مجرد لاجئين في نظرها، بل هم “أهداف استراتيجية”.
وتصنفهم المنظمة كمجموعة “غير مُوصلة” ويعني الشعوب التي لم تخضع بعد للتأثير المسيحي.
وتتضمن هذه القواعد معلومات تفصيلية عن عدد السكان، واللغة، والانتشار الجغرافي داخل المخيمات، إضافة إلى توصيات بشأن ما تصفه تلك الجهات بـ”أفضل السبل للوصول إليهم”، ما يعكس التخطيط العالي الذي يستهدف به سكان مخيمات الروهينجا في بنغلادش.
الهوية وتطويع اللغة
تشير بيانات منشورة على منصات تبشيرية إلى إنتاج محتوى ديني مرئي ومسموع، من بينها أفلام دينية مترجمة أو مدبلجة بلهجة الروهينجا المحلية، تهدف إلى تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية.
وربما يفسر الاعتماد على اللغة الأم للاجئين يمنح قدرة أكبر على النفاذ، خصوصاً في بيئات تعاني من الأمية، وضعف التعليم الرسمي، وغياب البدائل الثقافية، بحسب محللين في الشأن الروهينجي.
كما يظهر التقرير الإحصائي لمنصة “مشروع يشوع” أن نسبة المسيحيين بين الروهينجا لا تزال تقترب من 0% (أقل من 0.11% حسب تقديراتهم)، مما يعكس تمسكاً شديداً بالهوية الإسلامية، التي يعتبرها الروهينجا الحصن الأخير الذي يربطهم بأرضهم وتاريخهم في “ولاية أراكان”.

وبينما يستمر غياب حل دائم للقضية، تبقى المخيمات مساحة مفتوحة لتجاذبات والانقسامات، وتمس جوهر الدين والهوية ولو على حساب الإنسانية.
وتصنّف الأمم المتحدة ملف الروهينجا من أكثر ملفات الأقليات اضطهاداً في العالم، بعد فرارهم من ولاية أراكان عام 2017 عقب حملة عسكرية شنها جيش ميانمار (الم
جلس العسكري الحاكم).
ووفقا لتقارير دولية متعددة، يبقى أبناء الروهينجا عالقين في صراع يفوق قدراتهم؛ بين دول ترفض جنسيتهم، ومنظمات دولية تساوم على هويتهم، مع قساوة
الواقع المعيشي المرير، الذي يجلعهم يتذوقون صنوف الموت وهم أحياء.
