وكالة أنباء أراكان
بينما تمثل النساء 51% من الروهينجا الفارين من ولاية أراكان غربي ميانمار إلى بنغلادش جراء تعرضهم للفظائع والانتهاكات ضدهم على مدار سنوات، ظلت الصدمات والعزلة الاجتماعية وفقدان أفراد الأسرة وانعدام سبل العيش من أكبر التحديات التي تواجه نساء الروهينجا في مخيمات “كوكس بازار” في بنغلادش.
وتواجه النساء في المخيمات، وفق المنظمات الدولية، مخاطر متزايدة تشمل العنف القائم على النوع، والزواج القسري، إلى جانب مخاطر الفقر والتعرض للاستغلال، والظروف المعيشية القاسية في المخيمات، وهي المشكلات التي استهدفها “مشروع مشاركة المرأة” (WPP)، الذي أطلقته المنظمة الدولية للهجرة (IOM) كأحد المشروعات الرائدة الرامية إلى تعزيز دور نساء الروهينجا وتميكنهن.
رحلة نحو التمكين

يهدف المشروع إلى تمكين النساء الروهينجا وتحسين حياتهن، إضافةً إلى تعزيز مشاركتهن في القيادة المجتمعية، وذلك عبر تشكيل لجان نسائية في المخيمات لتكون منصات لدعم المرأة ونشر الوعي الاجتماعي، وزيادة فرص التعليم والتدريب، ونشر التوعية ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافةً إلى توفير مساحات آمنة تضمن بيئة داعمة للنساء والفتيات.
وأكدت العديد من نساء الروهينجا في شهادات أوردتها المنظمة الدولية للهجرة، في تقرير عن المشروع، أن حياتهن تغيرت بشكل كبير نتيجة لمشاركتهن في المشروع الذي وفر لهن تعلم مهارات تمكنهن من إدرار الدخل لإعالة أسرهن، وأكسبهن الشجاعة للتعبير عن أنفسهن ومواجهة الظواهر الاجتماعية السلبية، كما أسهم في دمج صاحبات الإعاقة في مجتمع اللاجئين.
وقالت إحدى عضوات اللجنة النسائية بالمشروع إن “انضمامها للمشروع أكسبها مهارات جديدة منها الحياكة والحرف اليدوية ما كان بمثابة تحول حقيقي لها وللعديد من النساء في المخيمات”، فيما أوضحت أخريات أنهن انتقلن من الخوف إلى الثقة بعدما مكنهن البرنامج من التعبير عن أنفسهن والحديث عن التحديات التي تواجه النساء في المخيم بشكل علني ليصبحن جزءاً من الحل.

ونقلت المنظمة عن شابة أخرى قولها إن رؤيتها والدتها تقود حملات التوعية في المخيم غير نظرتها لأهمية مشاركة المرأة، ما يشير لتغير المفاهيم التقليدية لدى الجيل الجديد من الفتيات، وقالت الفتاة “الآن، أرغب في المشاركة بنفسي وأن أصبح قائدة في المستقبل”.
وقد أسهم المشروع أيضاً في تحول حياة النساء أصحاب الإعاقة، إذ تقول إحدى المستفيدات من البرنامج “كنت أشعر بالعزلة، ولكن بفضل المشروع تعلمت مهارات جديدة في التطريز وأصبحت أشارك في ورش العمل، والآن أساعد الفتيات في تعلم الحياكة وأشعر أنني جزء من المجتمع”.
حياة تتغير
وأوضحت الناجيات أن المشاركة في المشروع كان لها أثر بالغ في تغيير نظرتهن للعديد من أمور الحياة ومنها كسر حاجز الصمت والتخلص من الوصمة المتعلقة بتعرضهن للأذى، فقد قالت إحدى اللاجئات “في الماضي كنت أعتقد أن التحدث عن العنف العائلي شيء مخجل، لكن بعد انضمامي للمشروع تعلمت أن لي الحق في الحماية وأنني لست وحدي، وأشجع النساء الأخريات على التحدث وعدم الصمت.”

كما قالت إحدى الأمهات المشاركات في المشروع “عندما أرى ابنتي تشارك في ورش العمل وتتعلم مهارات جديدة أشعر بالفخر، أصبح لديها طموح أن تكون معلمة في المستقبل، وأتمنى أن ترى الأمل الذي لم أتمكن من تحقيقه في صغري”، فيما أكدت أخرى أن نظرتها لأهمية تعليم الفتيات تغيرت بعدما كانت تظن أنه أمر هام للذكور فقط.
ونقلت المنظمة عن إحدى اللاجئات الروهنجيات وتدعى فاطمة، سعادتها البالغة بتمكنها من أن توفر دخلاً لأسرتها بعدما تعلمت مهارات الخياطة وباتت قادرة على بيع منتوجاتها للأسر في المناسبات والأعياد، ما وفر لها دخلاً يمكنها الاعتماد عليه، وحسّن من اكتفائها الذاتي وخفف من حدة الفقر.
التحديات لا زالت قائمة
ورغم قصص النجاح الملهمة، إلا أن التحديات التي تواجه النساء في المخيمات لا زالت قائمة، ولا زالت العوائق الثقافية والاجتماعية تعيق تقدم النساء في المخيمات، وذلك وفق المنظمة الدولية للهجرة التي أكدت أن المفاهيم التقليدية حول دور المرأة لا زالت تشكل تحدياً رئيسياً ما يجعل من الصعب تعزيز قيادتها داخل الهياكل المجتمعية.

ولفتت المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الاعتماد الكبير على المساعدات الإنسانية يمثل خطراً مستمراً على الاكتفاء الذاتي، وهو الأمر الذي دعا المشروع للتوصية بتعزيز المهارات الاقتصادية للنساء وتوسيع التوعية بأهمية القيادة النسائية وتغيير المفاهيم السائدة.
وأكدت المنظمة أن مشروعها لمشاركة المرأة ليس مجرد مبادرة إنسانية، بل هو نموذج لصمود النساء الروهينجا في وجه المحن، وأن قصص النساء تؤكد أن التمكين يبدأ من الإيمان بالذات، وأن الإرادة يمكنها أن تحول واقعاً مؤلماً إلى فرصة للنجاح.
كما أشارت إلى أن هذه القصص تعكس التغيرات الكبيرة التي أحدثها المشروع في حياة النساء الروهينجا عبر تمكينهن اقتصادياً واجتماعياً، وكسر العديد من القيود الثقافية التي كانت تعيق تقدمهن، مضيفةً أنه مع استمرار التحديات تظل هذه القصص شاهدة على القوة والتحول الذي يمكن أن تحدثه المبادرات المجتمعية في حياة اللاجئات.
ويعيش في منطقة “كوكس بازار” البنغلادشية حالياً أكثر من مليون من لاجئي الروهينجا فر معظمهم من ميانمار جراء تعرضهم لحملة إبادة جماعية على يد جيش ميانمار في عام 2017، وتجددت موجات فرارهم بسبب تفشي العنف مجدداً منذ شن جيش أراكان حملة عسكرية للسيطرة على ولاية أراكان في نوفمبر 2023، وتصف الأمم المتحدة مخيم “كوكس بازار” بأنه أكبر مخيم للاجئين في العالم.