وكالة أنباء أراكان
كتب: تهاني علي
تستمر مآسي الروهينجا على طرق الهجرة القاسية من ولاية أراكان وبنغلادش إلى دول جنوب وجنوب شرق آسيا، في رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر والغابات والبر، بحثاً عن ملاذ آمن وحياة كريمة بعيداً عن الاضطهاد والعنف.
ومع تزايد أعداد الهاربين، تتصاعد معاناتهم أمام مهربي البشر والظروف الطبيعية القاسية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مآسٍ إنسانية تشمل الوفاة والاختفاء، وسط غياب أي حماية قانونية لهم في غالبية الدول التي يقصدونها.
رحلات محفوفة بالمخاطر
لا تزال رحلات الروهينجا البحرية تمثّل أحد أشد المخاطر التي تواجه هذه الأقلية المسلمة الهاربة من الاضطهاد في ميانمار وبنغلادش، ففي عام 2025، ازدادت حالات الغرق والمفقودين في البحر بشكل لافت، حيث سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 5,100 روهينجي حاولوا عبور طرق بحرية خطيرة بحثاً عن الأمان في آسيا، فيما يقدر أن 600 شخص لقوا حتفهم أو فُقِدوا في مياه مضيق ملقا وبر بحر أندامان خلال العام نفسه.
وفي أواخر نوفمبر 2025، شهدت المنطقة حادثة مأسوية، حيث غرق قارب يقل نحو 70 روهينجياً قرب الحدود البحرية بين تايلاند وماليزيا، ما أسفر عن وفاة 11 شخصاً، بينهم طفلان، بينما لا يزال مصير العشرات الآخرين مجهولاً وسط عمليات بحث موسعة.
وكان شهر مايو 2025، من أكثر الأشهر دموية على هذا المسار، حيث غرقت سفينتان تقلان نحو 427 لاجئاً روهينجياً قبالة سواحل ميانمار وبنغلادش، الأمر الذي وصفته منظمات حقوقية بأنه “أحد أعنف حوادث غرق الروهينجا في 2025”.
ابتزاز المهربين
تنعكس خطورة الرحلة ليس فقط في الطبيعة القاسية للبحار والغابات التي يعبرونها، بل أيضاً في استغلال شبكات التهريب لهم.
ويشير بيان صادر عن منظمات روهنجية إلى أن استمرار حوادث الغرق يعكس وضعاً إنسانياً متفاقماً، لا يمكن فصله عن نشاط مهربي البشر وجماعات التهريب التي تستغل حاجة اللاجئين للدفع مقابل انتقالهم في قوارب غير صالحة، مع وعد الوصول إلى ملاذات آمنة عبر المياه أو الأراضي المستهدفة.
وبحسب تقارير مشتركة للمنظمة الدولية للهجرة ومنظمات حقوق الإنسان، تتعمد شبكات التهريب تحميل القوارب بأعداد تفوق طاقتها، أو تشغيلها دون تجهيزات أمان، ما يجعلها عرضة للأعطال والغرق، كما تتعرض عائلات المهاجرين لعمليات ابتزاز مالي، حيث يُطلب منها دفع مبالغ إضافية لضمان استمرار الرحلة أو للإفراج عن ذويهم في حال تعطل القوارب أو احتجاز الركاب.

مصير مجهول عند الوصول
حتى عند الوصول إلى اليابسة، لا تنتهي معاناة الروهينجا، ففي إندونيسيا وصلت عدة قوارب إلى شواطئ مقاطعة آتشيه خلال يناير 2025، حيث تعطل أحد القوارب قبالة الساحل، ما دفع السلطات إلى احتجاز المهاجرين والتحقيق في هوياتهم، وسط مخاوف من خطورة القوارب التي وفّرتها شبكات التهريب.
ورغم وصول بعض اللاجئين إلى موانئ مثل إندونيسيا، فإنهم يواجهون صعوبات في الاعتراف بوضعهم القانوني، وعدم وجود مسار لجوء معتمد في العديد من البلدان التي يستقبلونها، مما يزيد من هشاشة أوضاعهم القانونية والإنسانية عند الهبوط.
المنظمات الدولية
تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في بيانات وتقارير رسمية، ضرورة تكثيف جهود البحث والإنقاذ في البحر، وتوسيع آليات الاستجابة الإنسانية، وتوفير بدائل آمنة للهجرة، بما يقلل من اعتماد اللاجئين على مهربي البشر والطرق غير النظامية.
وتشدد المؤسسات الدولية على أن استمرار الأزمة بدون معالجة الجذور مثل العنف المستمر في ولاية أراكان، وعدم منح الجنسية والحقوق الأساسية في بنغلادش، سيُبقي على هذا المسار القاتل للروهينجا ومخاطر الغرق والمحطات الخطرة بين البرّ والبحر.
وكانت موجة الهروب الكبرى للروهينجا من ولاية أراكان غربي ميانمار قد بدأت في أغسطس 2017، عقب شنّ جيش ميانمار (المجلس العسكري الحاكم ) حملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت القرى الروهينجية، وُصفت من قبل الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة بأنها حملة تطهير عرقي وإبادة جماعية.
وجاءت الحملة بذريعة الرد على هجمات محدودة، لكنها سرعان ما تحولت إلى عمليات ممنهجة شملت القتل الجماعي، والحرق المتعمد للقرى، والاغتصاب، والاعتقال التعسفي، وتجريد السكان من ممتلكاتهم، ما دفع مئات الآلاف من الروهينجا إلى الفرار الجماعي نحو بنغلادش خلال أسابيع قليلة.
وتعود جذور الأزمة إلى عقود من الاضطهاد الممنهج ضد الروهينجا، الذين حُرموا من الجنسية بموجب قانون المواطنة لعام 1982، وتعرضوا لقيود مشددة على الحركة والتعليم والعمل والرعاية الصحية، إضافة إلى حملات عنف متكررة منذ عام 2012.
