وكالة أنباء أراكان
كشف تقرير حديث صادر عن وزارة الداخلية البريطانية بعنوان “مذكرة سياسات ومعلومات الدولة: الروهينجا، بما في ذلك الروهينجا في ميانمار وبنغلادش (يناير 2026)” عن صورة شديدة القتامة لأوضاع أقلية الروهينجا، التي تعيش واحدة من أطول وأعقد أزمات الاضطهاد والتهجير القسري في العالم الحديث.
وأكد التقرير، في خلاصة واضحة أن طبيعة وتكرار وتأثير الانتهاكات التي يتعرض لها الروهينجا في ميانمار ترقى إلى مستوى الاضطهاد والضرر الجسيم وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين.

إقصاء قانوني
وذكر التقرير أن عدد الروهينجا الذين لا يزالون داخل ميانمار يقدر بما بين 500 ألف و600 ألف شخص، يتمركز معظمهم في شمال ولاية أراكان غربي البلاد، إلا أن وجودهم في هذه المنطقة التاريخية لا يمنحهم أي حماية قانونية، إذ ترفض ميانمار الاعتراف بهم كمواطنين ما لم يتمكنوا من إثبات الإقامة في البلاد قبل عام 1948، وهو شرط شبه مستحيل التطبيق، ونتيجة للتطبيق التمييزي والتعسفي لقانون المواطنة لعام 1982، حُرم الروهينجا بشكل جماعي من الجنسية، ما جعلهم فعلياً عديمي الجنسية، بلا وثائق رسمية، وبلا أي ضمانات قانونية.
اضطهاد بلا حماية
وأوضح أنه من الناحية الأمنية، يواجه الروهينجا تهديدات متعددة المصادر، ويُعد النظام العسكري الحاكم في ميانمار الجهة الرئيسية المسؤولة عن اضطهادهم، حيث يوثق التقرير تعرضهم للاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، إضافة إلى التدمير المتعمد للقرى والمنازل وسبل العيش، وفي الوقت ذاته، لا تقل المخاطر القادمة من الفاعلين غير الحكوميين، وعلى رأسهم ميليشيات أراكان البوذية (جيش أراكان)، التي صعّدت عملياتها العسكرية منذ نوفمبر 2023، وجندت مدنيين من الروهينجا قسراً، واستخدمهم كدروع بشرية في الخطوط الأمامية للنزاع.
وأشار التقرير إلى أن الروهينجا الذين يواجهون خوفاً مبرراً من الاضطهاد لا يمكنهم التعويل على حماية الدولة، حتى في الحالات التي يكون فيها الخطر صادراً عن جماعات غير حكومية، كما يخلص إلى أن خيار الانتقال الداخلي داخل ميانمار ليس حلاً عملياً أو معقولاً، نظراً للقيود الصارمة على حرية الحركة، واشتراط تصاريح سفر ووثائق هوية يُحرم منها الروهينجا بشكل منهجي، ما يجعلهم عرضة للاحتجاز أو الابتزاز فور مغادرتهم مناطق إقامتهم.
تاريخ الروهينجا في أراكان

وتطرق التقرير إلى تاريخ الروهينجا في ولاية أراكان الذي يعود إلى القرن الخامس عشر، حين استقر مسلمون في المملكة آنذاك نتيجة للتجارة والهجرات الإقليمية، وتزايد وجودهم خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في ظل الحكم الاستعماري البريطاني، عندما كانت أراكان جزءاً من الهند البريطانية، ورغم هذا الامتداد التاريخي الطويل، رفضت الحكومات الميانمارية المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1948 الاعتراف بالروهينجا كإحدى القوميات الرسمية الـ135 في البلاد، وجرى توصيفهم رسمياً باعتبارهم “مهاجرين غير شرعيين” من بنغلادش، في خطاب سياسي يهدف إلى نزع شرعيتهم التاريخية والوطنية.
من حيث التركيبة السكانية، ذكر التقرير أن عدد الروهينجا داخل ميانمار كان يُقدَّر بنحو 1.2 مليون نسمة قبل عام 2017، غير أن العمليات العسكرية الواسعة التي شنها جيش ميانمار في عامي 2016 و2017، والتي وصفتها الأمم المتحدة وحكومات غربية بأنها تطهير عرقي، أدت إلى فرار أكثر من 700 ألف شخص إلى بنغلادش، لم يتبقَّ داخل البلاد سوى نحو 600 ألف روهنجي، يعيش حوالي 145 ألفاً منهم في مخيمات نزوح داخل ولاية أراكان، في ظروف إنسانية شديدة السوء.
تجريد من المواطنة
وعلى الصعيد القانوني، يحدد قانون المواطنة لعام 1982 مفهوم “المجموعة العرقية الوطنية” على أساس القدرة على إثبات الوجود في البلاد قبل عام 1823، وهو ما يستبعد الروهينجا تلقائياً، وينص القانون على 3 فئات للمواطنة: مواطن كامل، ومواطن مشارك، ومواطن متجنس، إلا أن الروهينجا حُرموا عملياً من جميع هذه الفئات، وحتى من مُنحوا في فترات سابقة وضعاً قانونياً جزئياً، حُرموا من حقوق أساسية مثل الترشح للمناصب السياسية، وتشكيل الأحزاب، والخدمة في الجيش والشرطة، ووراثة الأراضي، وممارسة مهن حيوية كالمحاماة والطب، كما لا يمنح القانون الجنسية للأطفال المولودين لأبوين عديمي الجنسية، ما يكرّس انعدام الجنسية عبر الأجيال.

وفيما يتعلق بوثائق الهوية، يستعرض التقرير تاريخاً طويلاً من الإلغاء والسحب المتكرر للبطاقات التي مُنحت للروهينجا، فمنذ انقلاب عام 1962، أُعلنت بطاقاتهم باطلة، ثم استُبدلت بأنظمة بطاقات ملونة في أواخر الثمانينيات لم يحصلوا عليها، وفي عام 1995، مُنحوا “بطاقات التسجيل المؤقتة” المعروفة بالبطاقات البيضاء، التي سمحت لهم بالتصويت في انتخابات محدودة عامي 2010 و2012، قبل أن تُلغى نهائياً عام 2015، ما أنهى أي شكل من أشكال المشاركة السياسية لهم.
انتهاكات متواصلة
وتشير فصول التقرير إلى أن المعاملة الحكومية للروهينجا تتسم بكونها ممنهجة ومؤسسية، فمنذ عام 2012، تصاعدت الانتهاكات بشكل حاد، وبلغت ذروتها في العمليات العسكرية التي نُفذت عامي 2016 و2017، ورغم صدور مذكرات توقيف دولية بحق قادة عسكريين، من بينهم القائد العام لجيش ميانمار “مين أونغ هلاينغ”، من محاكم دولية وأجنبية، لا تزال ميانمار ترفض إجراء أي تحقيقات وطنية ذات مصداقية، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.
ولفت التقرير إلى أن النساء والفتيات من الروهينجا كنّ من أكثر الفئات تضرراً من هذا العنف، فقد جرى توثيق تعرضهن لعنف جنسي وجسدي واسع النطاق ومنهجي، لا سيما خلال أحداث عام 2017، وفي مخيمات اللجوء في بنغلادش، حيث تشكل النساء والفتيات أكثر من نصف السكان، يواجهن مخاطر إضافية تشمل الاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، في ظل غياب فرص العمل وانتشار الفقر والمعايير الاجتماعية المحافظة، كما تتحمل النساء، خاصة في الأسر التي تعيلها إناث، أعباء اقتصادية متزايدة، ما يعرضهن لمخاطر إضافية خارج إطار الحماية المجتمعية التقليدية.

حصار وقيود خانقة
وعلى المستوى الإنساني،، يعيش ما يقرب من 630 ألف روهنجي داخل ولاية أراكان تحت منظومة من القيود والانتهاكات التي وصفها التقرير بأنها ترقى إلى الفصل العنصري، ويعاني نحو 145 ألف نازح في المخيمات من نقص حاد في الغذاء، والرعاية الصحية، والتعليم، وسبل العيش، ويعتمدون اعتماداً شبه كامل على مساعدات إنسانية تعاني بدورها من نقص التمويل، وقد تضاعفت معدلات الفقر في ميانمار منذ انقلاب عام 2021، ليعيش نحو 40% من السكان تحت خط الفقر، بينما يُعد الروهينجا الفئة الأكثر تضرراً نتيجة الإقصاء الهيكلي من سوق العمل والتعليم العالي.
ويعيش معظم الروهينجا النازحين داخلياً في مخيمات أُنشئت منذ موجة العنف التي شنتها الدولة عام 2012، ومع تجدد النزاع في شمال الولاية عام 2024، نزحت أعداد إضافية من مناطق مثل بوثيدونغ ومونغدو، وتعرض كثير من النازحين في المناطق التي سيطرت عليها ميليشيات أراكان (البوذية الانفصالية) لأعمال اختفاء قسري وعمل قسري في مناطق القتال.
وتفرض السلطات في ميانمار والمناطق التي تسيطر عليها ميليشيات أراكان قيوداً شديدة على حرية حركة الروهينجا، ويتطلب السفر تصاريح خاصة قد لا تكون صالحة إلا ليومين، فيما يؤدي تجاوز هذه القيود إلى الاحتجاز أو فرض غرامات مالية، كما تمنع نقاط التفتيش العسكرية وصول المرضى إلى المستشفيات في حالات الطوارئ، ما أسفر عن وفيات كان يمكن تفاديها.

كراهية وتحريض
عسكرياً، تصاعد القتال في ولاية أراكان منذ نوفمبر 2023 بين جيش ميانمار وميليشيات أراكان، التي باتت تسيطر على مساحات واسعة من شمال الولاية، واتُّهم الطرفان باستخدام الطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة، إضافة إلى الحرق المتعمد للقرى، وفي فبراير 2024، فعّل النظام العسكري قانون التجنيد الإلزامي، مستهدفاً شباب الروهينجا بشكل خاص رغم حرمانهم من المواطنة، حيث أُرسل كثير منهم إلى الخطوط الأمامية بعد تدريب محدود للغاية لاستخدامهم كدروع بشرية أو وقود للمدافع، وفي المقابل، اتُّهمت ميليشيات أراكان باختطاف شباب الروهينجا وإجبارهم على أعمال السخرة ونقل الإمدادات العسكرية.
على المستوى الاجتماعي، لا يزال الخطاب التحريضي ضد الروهينجا منتشراً على نطاق واسع، وتستخدم السلطات والغالبية البوذية مصطلح “بنغالي” في إشارة متعمدة لنفي انتمائهم الوطني، كما انتشر خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث صوّر قادة عسكريون وقادة في ميليشيات أراكان، الروهينجا على أنهم متطرفون، ما عمّق الانقسام بين مجتمعي الروهينجا والراخين وجعل فرص التعايش السلمي أكثر ضآلة.
الروهينجا في بنغلادش

كما تطرق التقرير إلى الروهينجا خارج ميانمار، قائلاً إن بنغلادش تستضيف أكبر تجمع للاجئين الروهينجا في العالم، حيث يعيش أكثر من 1.3 مليون لاجئ، منهم نحو 1.1 مليون مسجلون رسمياً في مخيمات كوكس بازار، وقد أدى وصول ما لا يقل عن 150 ألف لاجئ جديد خلال عامي 2024 و2025 إلى ضغط إضافي على الخدمات المنهكة أصلاً، وتحولت المخيمات إلى تجمعات عشوائية من الخيزران والقماش المشمع، يعيش سكانها في حالة من عدم الاستقرار القانوني لسنوات طويلة.
ويواجه اللاجئون الروهينجا في بنغلادش قيوداً قانونية صارمة، أبرزها عدم السماح لهم بالعمل، ما يجعل 45% من الأسر تعتمد كلياً على المساعدات الإنسانية، بينما اضطر 74% منها إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها الأساسية، وقد أدى نقص التمويل الدولي إلى تقليص الحصص الغذائية والخدمات الصحية، ما تسبب في ارتفاع معدلات سوء التغذية وانتشار الأمراض داخل المخيمات.
تعليم وصحة منهاران

وفي قطاع التعليم، يُحرم أطفال الروهينجا في ميانمار بشكل شبه كامل من التعليم الرسمي، وتصل معدلات الأمية بينهم إلى نحو 80%، أما في بنغلادش، فتقدم المنظمات غير الحكومية برامج محدودة لمحو الأمية والتوعية القانونية، إلا أن اللاجئين يواجهون صعوبات كبيرة في تسجيل أطفالهم في المدارس الرسمية خارج المخيمات بسبب التمييز والمعلومات المضللة.
وفي مجال الرعاية الصحية، تؤدي قيود الحركة في ميانمار إلى منع الروهينجا من الوصول إلى المستشفيات، ما ساهم في ارتفاع معدلات وفيات الأمهات في ولاية أراكان إلى مستويات تفوق المعدل الوطني، وحتى في المستشفيات العامة، يتعرض المرضى للعزل وسوء المعاملة والابتزاز، وفي بعض الحالات رُفض تقديم نقل الدم لهم، أما في مخيمات بنغلادش، فيسعى 61% من اللاجئين للعلاج داخل المخيمات، بينما يضطر 39% للبحث عن رعاية خارجها، وسط مخاطر تفشي أوبئة مثل الدفتيريا والتهاب الكبد الوبائي بسبب نقص التمويل.

كما أشار التقرير إلى انتشار واسع لاضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) بين اللاجئين، خاصة النساء اللواتي تعرضن لعنف جنسي في ميانمار، مع نقص حاد في مراكز الدعم النفسي المتخصصة داخل المخيمات.
عودة صعبة
وعن آفاق العودة إلى الوطن، أكد التقرير أنها لا تزال بعيدة المنال، ففي أبريل 2025، أعلنت ميانمار أهلية 180 ألف لاجئ فقط للعودة من أصل قائمة تضم 800 ألف اسم قدمتها بنغلادش، وتحذر منظمات دولية من أن الظروف في شمال ولاية أراكان غير آمنة على الإطلاق، إذ يواجه الروهينجا مخاطر التجنيد القسري، والهجمات الجوية، والألغام الأرضية، إضافة إلى النقص الحاد في المساعدات وارتفاع الأسعار.
ويخلص التقرير في مجمله إلى أن الروهينجا لا يزالون عالقين في حلقة مفرغة من الاضطهاد والنزوح وانعدام الحماية، وأن إعادة التوطين الداخلي أو العودة القسرية لا تمثل حلاً آمناً أو مستداماً في ظل استمرار النزاع، وغياب المساءلة، وتدهور الأوضاع الإنسانية على نحو غير مسبوق.
