وكالة أنباء أراكان
تحرير: تهاني علي
مراسل: محمد رضوان
في زاوية ضيقة من “مخيم 16” بمدينة كوكس بازار، في بنغلادش، يجلس “كاياس” (13 عاماً) واضعاً ثقل العالم على كتفيه الصغيرين، فلم يعد “كاياس” مجرد طفل لاجئ، بل أصبح فجأة “رأس عائلة” لخمسة أشقاء أصغرهم “شفيدة” التي لم تتجاوز 14 شهراً، بعد أن عصفت بهم سلسلة من المآسي، بدأت بالاعتقال القسري لوالدهم وانتهت بحريق التهم ما تبقى لهم من حطام مأوى.
الحرب.. المرض.. النار
يعيش عشرات الآلاف من أطفال الروهينجا في مخيمات بنغلادش، بلا أحد الوالدين أو من دون رعاية أسرية كافية، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً واستمراراً في العالم، وفقاً لبيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
وسط هذا الواقع القاسي، تبرز قصة ستة أطفال من الروهينجا فقدوا والديهم ومأواهم خلال فترة زمنية قصيرة، لتجسد هشاشة أوضاع الأيتام داخل المخيمات.
كان الأطفال يعيشون مع والدتهم في مأوى جدتهم بعد فرارهم من ميانمار بحثاً عن الحماية، وخلال رحلة النزوح، اعتُقل والدهم على يد ميليشيات أراكان (البوذية الانفصالية)، وفق رواية الابن الأكبر “كاياس”، ومنذ ذلك الحين لا تعرف الأسرة مصيره.
بعد وصولهم إلى بنغلادش، تحولت الأم إلى المعيل الوحيد للأطفال الستة، قبل أن تفارق الحياة إثر مرض طويل قبل نحو أسبوعين فقط.
ولم تمضِ أيام على وفاتها، حتى اندلع حريق واسع داخل المخيم دمر المأوى المؤقت للأسرة، ليُفقِد الأطفال ما تبقى لهم من شعور بالأمان.
الأطفال الستة — كاياس (13 عاماً)، آشيكا (11 عاماً)، شاييكا (9 سنوات)، أنور (7 سنوات)، أسماء (5 سنوات)، وشفيدة (عام وشهران) — باتوا اليوم تحت رعاية جدتهم المسنة، التي تعاني محدودية القدرة الجسدية وانعدام الموارد، في محاولة للإبقاء على الأسرة مجتمعة وسط ظروف معيشية شديدة القسوة.
أرقام مقلقة
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR)، يقيم في مخيمات كوكس بازار أكثر من مليون لاجئ من الروهينجا، يشكّل الأطفال نحو 52%.
وفقاً لتقديرات اليونيسف، هناك آلاف الأطفال في المخيمات يعيشون دون أحد الوالدين أو كلاهما، نتيجة القتل، والاختفاء القسري، والأمراض، وحوادث الحرائق والانهيارات الأرضية، التي تتكرر في بيئة مكتظة وفقيرة للبنية التحتية.
وفي مسح سابق، تم تحديد أكثر من 6,000 طفل “منفصل عن ذويه أو غير مصحوب”، وهو الرقم الذي يزداد تعقيداً مع استمرار الحرائق والاضطرابات الأمنية.
ويعاني طفل من كل ثمانية أطفال في المخيمات من سوء التغذية الحاد، وهو ما يهدد حياة الرضيعة “شفيدة” وإخوتها في ظل غياب الرعاية الأسرية.
وتحذر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن الأطفال غير المصحوبين بذويهم أو المنفصلين عن أسرهم هم من أكثر الفئات عرضة للاستغلال والعنف والإهمال، في ظل محدودية الموارد، ونقص المساحات الآمنة، والضغط الكبير على أنظمة الحماية.
آليات الدعم والحماية

تعمل مفوضية اللاجئين، بالتنسيق مع حكومة بنغلادش وشركائها من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، على تنفيذ برامج متخصصة لحماية الأطفال، تشمل تسجيل الأيتام والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وتوفير الرعاية البديلة، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعليم غير النظامي، إضافة إلى المساعدات الغذائية والخدمات الصحية الأساسية.
كما تدير “يونيسف” مساحات صديقة للطفل داخل المخيمات، وتقدم برامج دعم نفسي وتعليمي، فيما تشرف السلطات البنغلادشية، عبر مفوض شؤون الإغاثة وإعادة اللاجئين (RRRC)، على تنسيق الاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات.
ومع ذلك، تؤكد الأمم المتحدة أن نقص التمويل يشكّل تحدياً رئيسياً، حيث تعاني برامج حماية الطفل من فجوات متزايدة، ما يحدّ من القدرة على الاستجابة للاحتياجات المتصاعدة، خصوصاً مع استمرار الأزمة للعام التاسع على التوالي.
مستقبل غامض
تعكس مأساة الأطفال الستة (كاياس، آشيكا، شاييكا، أنور، أسماء، وشفيدة) واقع آلاف الأطفال الروهينجا الذين نشأوا في المخيمات دون معرفة معنى الاستقرار أو الأمان.
يقول كاياس بنبرة تسبق عمره: “نريد فقط مكاناً آمناً لننام فيه، وألا يفرقنا أحد“. هذه الرغبة البسيطة تصطدم بواقع تراجع التمويل الدولي لأزمة الروهينجا، حيث أطلقت الأمم المتحدة نداءات استغاثة متكررة لسد العجز في خطة الاستجابة الإنسانية التي لم يمول منها سوى جزء يسير.
كل طفل داخل المخيمات ليس مجرد رقم في الإحصاءات، بل حياة كاملة، ومستقبل مهدد، ومسؤولية مشتركة تتطلب دعماً دولياً مستداماً، إلى أن تتوفر حلول جذرية تضمن الكرامة والحقوق الأساسية للاجئي الروهينجا.
وتظل أزمة أيتام الروهينجا قنبلة موقوتة؛ فخلف كل حريق، وخلف كل حالة وفاة بسبب نقص الرعاية، يولد طفل جديد يواجه العالم وحيداً، في واحدة من أصعب البقاع على وجه الأرض.
ومع غياب أي أفق واضح للعودة الآمنة والطوعية والكريمة إلى ولاية أراكان، تبقى حماية هؤلاء الأطفال وتوفير التعليم والرعاية لهم تحدياً إنسانياً وأخلاقياً ملحاً.
