وكالة أنباء أراكان l خاص
كتابة: خلود فطاطة
خلف أرقام اللجوء التي تتصدر التقارير الدولية، يبرز في الجامعات التركية جيل جديد من شباب الروهينجا، قرروا أن يكون العلم بوابتهم الوحيدة لاستعادة هويتهم وبناء مستقبلهم. حيث لم تعد المنح الدراسية المقدمة لهؤلاء الشباب مجرد دعم أكاديمي، بل تحولت إلى استراتيجية بناء مجتمعي تهدف إلى خلق نخبة قادرة على كسر حلقة اللجوء المفرغة، وإيصال صوت قضيتهم إلى المحافل الدولية.
من ألم اللجوء إلى قيادة المستقبل
رائد عبد الرحمن، طالب بكالوريوس في إدارة الأعمال بجامعة ابن خلدون، يعد مثالاً حي للقوة التي يمنحها التعليم لمقاومة معاناة اللجوء.
ويصف رائد هذه التجربة بقوله: “الحصول على منحة دراسية في تركيا، يمثل لي فرصة ثمينة ونقطة تحول حقيقية في حياتي”.
ومضى قائلاً ،”في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها شباب الروهينجا، حيث يُحرم الكثيرون من حقهم الأساسي في التعليم، أشعر أن المنحة ليست مجرد دعم أكاديمي، بل أمل جديد ومسؤولية كبيرة في الوقت نفسه”.
لم يكتفِ رائد بالتحصيل الأكاديمي فقط، بل انخرط في العمل التطوعي، معتبراً إياه جزء من تطوير نفسه وبناء المجتمع. وعن هذه التجربة، يسرد “ما وصلت إليه اليوم بفضل الله أولاً، ثم بدعوات والديّ ودعم “جمعية أراكان الإنسانية”، التي كان لها الفضل الأكبر في تطوير مهاراتي القيادية”.
مؤكداً أن المشاركة في المبادرات الميدانية، مثَّل “الجسر الحقيقي لتعزيز ثقته بنفسه وتوسيع مداركه وتحمل المسؤولية”.
وينظر رائد هنا نحو المستقبل بعين من الأمل والطموح قائلاً “أخطط لاستثمار تخصصي الدراسي، من خلال إطلاق مبادرات مجتمعية تهدف إلى خدمة أبناء شعبي وتمكينهم علمياً ومهنياً.

طلاب الروهينجا وتغيير صورتهم النمطية
بما لا يدعو للشك أظهر طلاب الروهينجا قدرة ملحوظة على التكيف والاندماج، وهو ما انعكس إيجاباً على نظرة المجتمع الأكاديمي لهم.
ويروي نامارا محمد، طالب باكستاني زميل رائد عبدالرحمن، أثر هذه التجربة عليه قائلاً: “بصراحة، قبل أن أتعرف عليكم جميعاً، كانت هذه القضية مجرد حدث بعيد أراه في الأخبار. لكن وجودي في نفس البيئة وقضائي الوقت معكم أضفى بُعداً إنسانياً على القضية بالنسبة لي؛ فالآن لم أعد أرى مجرد إحصائية”.
وتابع، “اليوم أرى قصة صديقي، وهذا جعلني أشعر بالقضية على مستوى أعمق وبصورة شخصية أكبر”.
وفي ختام حديثه، اثنى على عزم وطموح هؤلاء الشباب: “مصطلح لاجئ غالباً ما يحمل صورة نمطية عن أشخاص هم فقط بحاجة إلى المساعدة، لكن رؤية أشخاص مثلهم يسعون بجد، ويطوّرون أنفسهم فكرياً، تُحطّم هذه النظرة تماماً”.
طوق النجاة استراتيجية إعداد القادة
ما يظهره رائد وزملاؤه في سلوكهم وتطلعاتهم لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لرؤية استراتيجية تتبناها الجهات المانحة، وتخطيط على نحو واسع طويل الأمد.
وفي هذا الصدد، يوضح سليم نور، رئيس جمعية أراكان الإنسانية، أن التعليم في هذا الإطار يتجاوز كونه مساراً أكاديمياً اعتيادياً، مؤكداً أن رؤية الجمعية، تنطلق من “تقديم المنح الدراسية المختلفة، على اعتبار أن التعليم بالنسبة لنا، ليس مساراً أكاديمياً يستهدف أفراداً ، بقدر ما هو طوق نجاة لمجتمع كامل”.
وأضاف نور،” التعليم يحمي الجيل الناشئ من الضياع، ويصنع كوادر قادرة على إعادة بناء مجتمع الروهينجا، وصولاً لصناعة مستقبل أفضل لأبنائه”.
ويشير رئيس جمعية أراكان ، إلى أنه وعلى الرغم من العقبات، أظهر الطلاب تقدماً ملحوظاً في مجالاتهم، حيث نجحوا في كسر “حواجز الاغتراب” بشكل ملفت.
وحول اختيار التخصصات يقول نور “نعمل على اختيار تخصصات تفرضها احتياجات القضية، ويعاني المجتمع من نقصٍ فيها، بهدف إعداد نخبة فاعلة تجمع بين الوعي بالهوية والقدرة على الدفاع عن الحقوق”.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن رئاسة شؤون أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى، إلى أن تركيا منحت منذ عام 2017 فرصاً تعليمية لنحو 120 شاباً من الروهينجا في جامعات مختلفة، مع إعلان الحكومة التركية مؤخراً عن تخصيص 53 منحة دراسية إضافية لمواجهة التحديات التعليمية المتزايدة في مخيمات اللجوء.
وفي إطار جهود المجتمع المدني، خرّجت جمعية أراكان الإنسانية في إسطنبول العشرات من الخريجين من الجامعات التركية، انضموا إلى مئات الخريجين الذين سبقوهم في تخصصات استراتيجية، شملت القانون، والعلوم السياسية، والصحافة، والعلوم الإنسانية.
ويحمل هؤلاء إيماناً راسخاً بأن التعليم هو سلاحهم الوحيد لمواجهة التهميش، وأن كل شهادة ينالونها هي خطوة فعلية نحو مستقبل أكثر إشراقاً.
