وكالة أنباء أراكان l خاص
تقرير: محمد رضوان
كتابة: تهاني علي
هنا داخل “مخيم 17” في كوكس بازار ببنغلاديش (التي يعيش فيها أكثر من 1.2 لاجئ موزعين على 33 مخيماً)، تقف فتيات من الروهينجا بوشاح رأس أبيض، في صف طويل يكسر حدة لون ثوبهن الأسود.
هذا الاصطفاف المشرف، إيذان بتخرج 25 فتاة ونيلهن الفوز بحفظ القرآن الكريم في رمضان شهر المسلمين المبارك.
لا يحفظن الحروف فحسب، بل هويتهن من الاندثار، ويغزلن من نور القرآن خيوط فجر جديد يُضيء ليل “منفاهم القسري”.
-مدرسة “عائشة” قصة صمود-
لم تكن مدرسة “أم المؤمنين عائشة” المتخصصة في دراسة وحفظ القرآن الكريم، مجرد فصول دراسية، وإن كانت متواضعة، بل “قصة كفاح” بدأت في نوفمبر 2020 بحلم متواضع ونوايا صادقة.
يروي بفخر واعتزاز ،روشي دولاه، أحد مؤسسي المدرسة القادم من قرية “أندان” بولاية أراكان في ميانمار ، كيف بدأت المسيرة بمعلم واحد ومعلمتان و60 طالبة، لتكبر اليوم وتضم 160 فتاة يتسابقن في مضمار الحفظ، ونجاح المدرسة في تخريج أول 25 فتاة تحت عمر الثامنة عشر.
وبنبرة حزينة استعرض روشتي في حديثه لـ”وكالة أنباء أراكان”، تحديات كثيرة تواجههم، “نحتاج بناء فصول دراسية مناسبة، وتوفير مواد تعليمية، ونسخ من القرآن الكريم، ودعم مالي لرواتب المعلمين”.
ومضى، “نريد استقبال المزيد من الفتيات وتحسين جودة التعليم في مدرستنا”.
ورغم انعدام الإمكانيات، تسير المدرسة بمنهجية “السبق” (الدرس الجديد)، و”المنزل” (المراجعة عن بعد)، حيث تتحدى الفتيات حرارة الصيف وأمطار المونسون ليرسمن طريقاً للخلاص.

يقول روشي بنبرة تملؤها العزة: “فقدنا أرضنا وبيوتنا، لكننا لم نفقد إيماننا، تخرج هؤلاء الحافظات رسالة للعالم بأن كرامة الروهينجا حية بحفظ كتاب الله”.
وفي حفل التخرج، تجلس إحدى الطالبات بوقارٍ على كرسي، بينما تقف زميلاتها في دائرة حولها، خلف نظارتهن الطبية وثوبهن الأبيض والأسود، يحملن شهادة التخرج كوثيقة تحدٍ لكل الظروف، ويثبتن بأن العلم لا يفصله جدار ولا تهزمه خيمة.
“صدقة بيبي” أيقونة الأمل
من رحم معاناة خيام اللجوء، تبرز قصة صدقة بيبي (15 عاماً)، التي أتمت حفظ القرآن لتتوج بلقب “حافظة” وسط صخب المخيم وزخات وصوت المطر اللذان اقتحما خلوتها.
تقول بابتسامة يملؤها الرضا: “كنت استيقظ في الصباح الباكر عندما تكون الأجواء هادئة وأراجع مراراً وتكراراً (…)، لقد اختارني الله لحمل كتابه في صدري”.
وختمت، “هذا أعظم من كل كنوز الدنيا”.
لم تكن “صدقة” وحدها خلف هذا النجاح، وقف والدها المعلم حسين أحمد، الذي يرى في ابنته مشاعل نورٍ تضيء خيمته الضيقة، مؤمناً بأن تعليم الفتيات “فعل مقاومة” ضد اليأس ومرارة اللجوء.
واليوم، تقف صدقة لتلهم أقرانها برسالة عميقة: “لا تجعلن اللجوء قيداً لأرواحكن، فالقرآن نور يكسر قضبان المخيم ويفتح لكنّ آفاق السماء”.
نجاح الفتيات في حفظ القرآن الكريم، وسط ركام وضيق حال المكان، ليس مجرد حدث عابر؛ بل هو إعلان انتصار “الإرادة الإنسانية” على “عتمة المنفى”.