وكالة أنباء أراكان l خاص
كتابة: تهاني علي
بين أزقة مخيمات اللجوء المكتظة في “كوكس بازار” وخيام النزوح المشتتة، يحل شهر رمضان على أكثر من 1.2 مليون لاجئ روهينجي في بنغلاديش، حاملين معهم غصة الحنين لأراكان الأم ومرارة الواقع.
لم يعد رمضان بالنسبة لهم مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل صار رحلة بحث سنوية عن “هوية” يحاول الشتات طمس معالمها، وذكريات لوطن كان فيه الإفطار الجماعي “عنواناً للوحدة”.
ذاكرة “أراكان” المتماسكة
يستذكر وجهاء الروهينجا بمرارة “زمن الوفرة” في إقليم أراكان بميانمار، ويروي أبو بكر صالح (80 عاماً) كيف كانت القرى تُدار بحكمة “العمدة” ووقار “الميزي” (الحكيم)، حيث كانت الكلمة مسموعة والوحدة ضرورة للبقاء.
يقول أبو بكر في حديثه لـ “وكالة أنباء أراكان”: “في ليلة القدر، كانت المقابر تزدحم بالداعين، وفي العيد، تذوب الفوارق في المسجد الجامع”.
وواصل بحزن: “اليوم، تفرقنا في 33 مخيماً فرعياً في (كوتوبالونج) و(زادي مورا)، وصار الأخ لا يرى أخاه، والأم تحن لرؤية أبنائها المشتتين”.
ويضيف أمان الله، أحد الشهود على تلك الحقبة: “كنا نجلس على أرضية المسجد، الغني بجانب الفقير، ننتظر الأذان بصمت مهيب. كانت رشفة الماء الأولى مباركة لأننا نتشاركها جميعاً”.
وأكمل حديثه بنبرة حزينة: “اليوم، تلاشى ذلك الدفء وحل محله إفطار باهت في بيئة معزولة”.

واقع مرير.. صيام بطعم العوز
في قلب المعاناة الحالية، يرسم الناشطون والباحثون الروهينجا صورة قاتمة للحياة داخل المخيمات، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن أكثر من 95% من العائلات في المخيمات تعتمد كلياً على المساعدات الإنسانية.
يوضح أمير خان (ناشط) أن الصيام في اللجوء هو “اختبار للصمود”؛ حيث تفتقر العائلات لأدنى مقومات الحياة، ويضطر الصائمون لقطع مسافات طويلة لجلب الماء تحت “شمس حارقة” في ذروة موسم الجفاف الذي تشهده بنغلاديش حالياً.
حيث تتجاوز الحرارة المحسوسة 35 درجة داخل خيام بلاستيكية تفتقر للتهوية، وفي بيئة تعاني فيها أكثر من 70% من الأسر من عدم كفاية مياه الشرب النظيفة.
أما عن المطبخ الروهينجي، فقد نالت منه “السلال الغذائية” الموحدة للمنظمات الدولية؛ حيث انخفضت قيمة القسيمة الغذائية الشهرية للفرد لتصل إلى حوالي 10-12 دولاراً أمريكياً فقط (أي ما يعادل نحو 33 سنتاً لليوم الواحد)، وهي حصة لا تتغير في رمضان وتفرض “تقشفاً إجبارياً”.
واليوم تفتقر موائد الروهينجا للأصناف التقليدية، وصار الاعتماد الكلي على هذه المعونات يهدد الخصوصية الثقافية، خاصة مع وصول معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في المخيمات إلى قرابة 15%.
جيل الشتات.. معركة الحفاظ على الهوية
رغم قسوة النزوح وصدمات الفقد التي جعلت الكثير من الشباب يركزون على النجاة الفردية، إلا أن هناك حراكاً يقوده جيل الشتات، لحماية ما تبقى.
يقول الشاب أنيس خان: “نحن نحمل الأمانة؛ نتحدث لغتنا الروهينجية في بيوتنا، ونطبخ ما تيسر من أطباق أجدادنا لنحافظ على المذاق في ذاكرة الأطفال”.
ويضيف رضوان محمد (باحث) أن الشباب الذين ولدوا في المخيمات أو هُجروا إلى دول ككندا وأوروبا يواجهون “خطر الذوبان الثقافي”، لكن التمسك بجلسات الحديث مع الكبار ودروس المدارس المجتمعية، يظل الحصن الأخير لحماية “رمضان الروهينجا” من الاندثار.
ورغم المسافات التي فرقت العائلات، أشار رضوان أن صلاة التراويح في مساجد المخيمات البسيطة هي “الرابط الروحي” الذي يذكرهم بأنهم رغم الشتات، لا يزالون “أمة واحدة”, تنتظر يوماً تعود فيه الموائد لتجتمع في “مساجد أراكان العتيقة”.
ورغم كل مظاهر الاغتراب والتشظي، تظل تلك اللقطات للإفطار الجماعي في “كوكس بازار” برهاناً على أن روح رمضان — الإيمان والتعاطف والتكاتف — لا تزال مشرقة وسط عتمة المخيمات.
