وكالة أنباء أراكان l خاص
كتابة: تهاني علي
دخل ملف الأقلية الروهينجا في ميانمار منعطفاً هو الأكثر غموضاً وخطورة في تاريخه المعاصر، عقب تنصيب قائد الجيش الجنرال “مين أونغ هلاينغ” رئيساً للبلاد.
وبينما تحاول السلطة الجديدة في “نايبيداو” تسويق هذا التحول كخطوة نحو “الحكم المدني” لانتزاع شرعية دولية مفقودة، يرى نشطاء حقوقيين وقادة محليين، أن هذه الخطوة لا تعدو كونها “إعادة تدوير” لنظام متهم دولياً بارتكاب جرائم إبادة جماعية.
ويأتي تنصيب هلاينغ في ظل تحدٍ صارخ لقرارات محكمة العدل الدولية التي فرضت (تدابير مؤقتة) لحماية الروهينجا، مما يضع الأمم المتحدة أمام مأزق قانوني حول كيفية التعامل مع رئيس “ملاحقاً قضائياً” بتهم “الإبادة الجماعية”.
وجاءت هذه الخطوة أيضاً في وقت تسعى فيه ميانمار لكسر عزلتها الإقليمية، وسط صمت حذر من القوى المجاورة، التي تخشى من تدفق موجات لجوء جديدة، إذا ما انفجر الوضع ميدانياً في أراكان.
الجذور المأساوية: من “الإبادة” إلى “الانقلاب”
لا يمكن فهم دلالات رئاسة “هلاينغ” بمعزل عن التاريخ الدامي الذي قاده ضد الروهينجا؛ عام 2017، أشرف بصفته قائداً للجيش على عملية عسكرية وحشية في ولاية “أراكان”، وصفتها الأمم المتحدة بأنها “نموذج مثالي للتطهير العرقي”. أسفرت الحملة عن مقتل الآلاف، وحرق مئات القرى، وتهجير أكثر من 800 ألف شخص نحو بنغلاديش، لينضموا إلى مئات الآلاف الذين فروا في موجات سابقة، مكونين أكبر مخيم للاجئين في العالم.
واستكمالاً لنهج الهيمنة، قاد الجنرال ذاته في فبراير 2021 انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة “أونغ سان سو تشي” المنتخبة، مدعياً حدوث تزوير في الانتخابات.
هذا الانقلاب لم يكتفِ بإعادة ميانمار إلى الحكم العسكري المباشر، بل أدى إلى انهيار اقتصادي واجتماعي، وفتح جبهات قتالية جديدة في مختلف أنحاء البلاد، مما جعل قضية الروهينجا تتراجع في سلم الأولويات الدولية لصالح “الصراع الداخلي العام”.
تكريس سلطة “التاتماداو” وشرعنة القمع
ويصف محللون، انتقال “هلاينغ” من “قائد عام” إلى “رئيس”، استراتيجية لشرعنة السلطة بـ”عباءة سياسية”.
وفي هذا الصدد، يؤكد سليم الأركاني، المدير التنفيذي لجمعية أراكان الإنسانية، أن هذا الاختيار “يعكس حقيقة راسخة وهي أن المؤسسة العسكرية (التاتماداو) ما زالت اللاعب الأقوى، بغض النظر عن أي واجهات سياسية أخرى، واستمرار لحكم قائم على الأمن والسيطرة والتكتم”.

وفي حديثه لوكالة أنباء أراكان، يتفق الباحث الروهينجي أبو القاسم أبو كلام مع هذا الطرح، معتبراً أن الرئاسة الجديدة هي “ترسيخ للقوة من قبل نفس النظام المسؤول عن الاضطهاد”، حيث يحاول هلاينغ “الانتقال إلى منصب يساعده على شرعنة سلطته دولياً، رغم أنه لا يزال ممسكا بزمام الأمور في كلا الدورين”.
من جهته، يضيف خين مونغ، العضو التنفيذي في مجلس روهانغ الموحد، “جوهر السلطة لم يتغير، فالشخص الذي حكم البلاد لسنوات يتولى اليوم رئاسة حكومة مدنية، ما يعني حاجتنا لمراقبة أداء هذه الحكومة الجديدة، والسياسات التي ستنتهجها تجاه قضيتنا”.
أراكان: بين مطرقة الجيش وسندان “جيش أراكان البوذي”
يأتي هذا التحول السياسي في وقت يواجه فيه الجيش الميانماري هزائم ميدانية غير مسبوقة؛ فمنذ أواخر عام 2023، شنت جماعات مسلحة عرقية هجمات واسعة أدت لفقدان الجيش السيطرة على مناطق شاسعة.
ويشير أبو القاسم أبو كلام إلى أن “هلاينغ فقد السيطرة بالفعل على حوالي 80% من مناطق أراكان لصالح جيش أراكان البوذي”.
هذا الفراغ الأمني زاد من معاناة الروهينجا الذين باتوا “دروعاً بشرية” وسط النيران المتبادلة.
وحذر سليم الأركاني من أن القضية بلغت “حافة الفناء”، موضحاً أن الجيش يرى في الروهينجا “ملفاً أمنياً أو وسيلة لاستمرار النظام أكثر من كونها قضية حقوقية”، مع رصد مخططات ممنهجة لإخلاء المنطقة وتغيير ديموغرافيتها.
العودة الآمنة: “حكم بالإعدام” أم أمل مؤجل؟
تجمع القراءات التحليلية على أن مستقبل عودة اللاجئين بات في حكم “المجمد”.
ويصف الأركاني رئاسة هلاينغ بأنها قد تكون “حكم بالإعدام” على ملف العودة.
قائلاً في هذا الشأن: “إعادة فتح ملف العودة سيكون شكلياً وسيصبح أكثر تعقيداً، وسيبقى مجمداً ما لم يحدث ضغط دولي حقيقي أو تغير داخلي في موازين القوى”.
ويؤيد أبو القاسم أبو كلام هذا التخوف، مشيراً إلى أن “الزعيم المرتبط بالإبادة الجماعية هو نفسه الرئيس الآن، وبدون أمان أو حقوق أو ثقة، فإن العودة ستضع الأرواح في خطر”.
واصفاً الادعاءات بوجود قوائم لعودة 800 ألف شخص بأنها “غير واقعية”.
وكانت منظمات حقوقية قد رصدت استخدام النظام لتقنيات المسح الحيوي والبطاقات التعريفية المثيرة للجدل، كأداة لفرز السكان ومنع الروهينجا من العودة إلى قراهم الأصلية، التي تحول أجزاء منها إلى ثكنات عسكرية أو مستوطنات للمكونات العرقية الأخرى.
في المقابل، يشدد عضو في مجلس روهانغ الموحد، تمسك الروهينجا بحقهم التاريخي في العودة إلى أراكان، مهما كانت طبيعة السلطة.

التشدد القومي وتوظيف الهوية
حول الطبيعة السياسية للدولة، يوضح سليم الأركاني، أن المشكلة تتجاوز الجانب الديني البوذي.
مقدما رؤيته، “نعم، هناك تيارات قومية بوذية متشددة أججت الكراهية، لكن المشكلة سياسية وقومية متعلقة بالهوية والمواطنة، والجيش هو الفاعل الأقوى الذي يوظف هذه النزاعات لتثبيت سلطته”.
بينما يرى أبو قاسم ضرورة توجيه الاتهام للنظام وليس للمكونات الاجتماعية.
وبين “شرعية مدنية” يحاول “مين أونغ هلاينغ” رسمها، و”خطر فناء” يهدد الروهينجا على الأرض، يبقى المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي لمعالجة قضية الروهينجا وطابعها “الانساني” بامتياز.
ومع ملاحقة هلاينغ بدعاوى “إبادة جماعية” دولياً، تظل رئاسته محاصرة بضغوط قانونية دولية وتحديات داخلية، ما يجعل استقرار نظمه مرهوناً بقدرته على المناورة في ملف العودة الروهينجا، الذي بات أداة للمساومة السياسية، لا حقاً أصيلاً لأبناء الروهينجا في المهجر.
