وكالة أنباء أراكان | خاص
كتابة: محمد المسلمي
مع حلول شهر رمضان، يتخذ المسجد في مخيمات اللاجئين الروهينجا في بنغلاديش، دوراً يتجاوز فريضة الصلاة، ليغدو مساحة جامعة للعبادة والتعليم والتكافل الاجتماعي.
وفي بيئة يثقلها اللجوء وتحدها قسوة الظروف المعيشية، يتحول المسجد إلى “قلب نابض للحياة الروحية”، حيث يجد اللاجئون فيه سكينة تعينهم على مواجهة يوميات المخيم الصعبة، وتعيد وصلهم بعاداتهم الدينية والاجتماعية، التي حملوها معهم من ديارهم الأم في أراكان.
“التراويح” روح الجماعة بزمن اللجوء
يقول محمد زاهر، إمام أحد المساجد في المخيمات، إن الاستعداد لشهر رمضان يبدأ مبكراً، من خلال تذكير أفراد المجتمع بفضائل الصيام والصدقة والذكر، وحثهم على استقبال الشهر بروح من التوبة والرجاء.
ويشير “زاهر” الذي فضل الحديث باسم مستعار لأسباب خاصة، في حديثه لوكالة أنباء أراكان، إلى أن “صلاة التراويح تحظى بمكانة خاصة لدى أبناء الروهينجا”، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين الذين يحرصون على أدائها جماعة رغم ضيق الإمكانات.
كما يولي المجتمع اهتماماً كبيراً للاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، إذ يتم “تخصيص أماكن داخل المسجد لاستقبال المعتكفين، الذين يكرسون أوقاتهم للعبادة وتلاوة القرآن”.
ويؤكد زاهر، أن هذه الأجواء الدينية تمنح المجتمع دفعة معنوية مهمة، إذ يزداد الإقبال على الصلاة وأعمال الخير، ما يخفف من الضغوط النفسية، التي يفرضها واقع اللجوء، ويعزز الشعور بالسكينة والأمل.
المسجد مدرسة “إيمان ومعرفة”
لا يقتصر دور المسجد على الشعائر الدينية، بل يمتد ليشمل التعليم والتنشئة الدينية، خاصة للأطفال.
ويقول معلم الكتّاب حميد الله، إن برنامج التعليم خلال رمضان يشهد تعديلات تراعي ظروف الصيام، حيث “تقلص عدد الحصص اليومية” لمنح الطلاب والمعلمين وقتاً أكبر للراحة والعبادة.
ويوضح أن هذه التعديلات لا تعني “توقف التعليم”، بل تتيح مساحة أوسع لتلاوة القرآن.
كما تُنظم دروس خاصة في العقيدة والفقه والسيرة، يجتمع خلالها الصغار والكبار في حلقات تعليمية، تعزز المعرفة الدينية وترسخ القيم الإسلامية.
ويضيف حميد الله، أن أجواء رمضان تخلق حماساً ملحوظاً لدى الأطفال، حيث يزداد إقبالهم على التعلم والمشاركة في الدروس، في محاولة لفهم شعائر الشهر الكريم وتطبيقها في حياتهم اليومية.
“الإفطار الجماعي” تضامن يتحدى شحّ الموارد
ويمثل الإفطار الجماعي أحد أبرز مظاهر التكافل داخل المخيمات، إذ يجتمع اللاجئون في ساحات المساجد لـ”تقاسم الطعام”، في مشهد يستعيد شيئاً من تقاليدهم ومنبعها موطنهم الأصلي.
ويقول أحد القائمين على تنظيم موائد الإفطار، إن هذه المبادرات تُقام بروح جماعية، حيث يساهم كل فرد بما يستطيع توفيره، ليجتمع الجميع حول وجبة بسيطة يتقاسمونها في أجواء من الأخوّة والتضامن.
غير أن تنظيم الإفطار يواجه “تحديات كبيرة”، أبرزها “نقص المواد الغذائية”، في ظل غياب مصادر دخل ثابتة للاجئين داخل المخيمات.
فبعد أن كانوا يمتلكون بيوتاً وموارد في أراكان، أصبح الإفطار اليوم يعتمد على ما يتوافر من مساعدات أو تبرعات محدودة.
ورغم ذلك، يظل المسجد بالنسبة للروهينجا أكثر من مجرد مكان للعبادة، إنه مساحة تحفظ تماسك المجتمع، وتمنح أفراده شعوراً بالانتماء والكرامة، وتبقي جذوة الأمل متقدة في قلوبهم، حتى في أكثر الظروف قسوة، لكنهم يعدون شهر الصيام رمضان، زاداً نفسياً يفوق زاد الأبدان.