الخناق يضيق على المجلس العسكري الحاكم في ميانمار

قائد جيش ميانمار "مين أونغ هلاينغ" (صورة: NBC news)
قائد جيش ميانمار "مين أونغ هلاينغ" (صورة: NBC news)
شارك

بقلم: جولييت ماكنتاير، وآدم سيمبسون

تواجه ميانمار أزمات عديدة منها الصراع المدني واسع النطاق والانهيار الاقتصادي وانهيار العملة وانتهاكات حقوق الإنسان، ويضاف إليها قرار جيش ميانمار في فبراير 2024 بتفعيل التجنيد الإجباري وإجبار العديد من مواطني ميانمار على المشاركة في القتال وقتل نظرائهم المواطنين.

ورغم اليأس والخراب الذي يعيشة شعب ميانمار، إلا أن أقلية الروهينجا المسلمة قد عانت أكثر من البقية، فقبل انقلاب عام 2021 وقعت العديد من المذابح وأعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضدهم في عام 2017، إذ قتل الآلاف واضطر 740 ألفاً من الروهينجا إلى الفرار عبر الحدود إلى مخيمات اللاجئين في بنغلادش، حيث لا زال قرابة مليون من الروهينجا يعيشون في حالة يرثى لها.

في 27 نوفمبر 2024، تقدم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بطلب لإصدار مذكرة اعتقال بحق قائد المجلس العسكري الذي استولى على السلطة في عام 2021 “مين أونغ هلاينغ” بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتحديداً ترحيل واضطهاد الروهينجا، كما أشار المدعي العام إلى نيته التقدم بطلب إصدار مذكرات اعتقال أخرى بحق قيادة المجلس العسكري فيما يتعلق باضطهاد الروهينجا.

ويستمر تحقيق المدعي العام للمحكمة منذ نوفمبر 2019 إلا أن نطاق التحقيقات يظل محدوداً بسبب أن ميانمار ليست طرفاً في نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجمائية الدولية، لذا فإنها لا تتمتع بولاية قضائية للتحقيق في الجرائم التي تحدث داخل أراضي ميانمار دون موافقتها، كما أنه من غير المرجح النجاح في الحصول على تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتجاوز هذا القيد نظراً لاحتمال استخدام حق النقض (فيتو) من جانب روسيا والصين.

ولكن نظراً لكون بنغلادش طرفاً في نظام روما الأساسي فيمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تؤكد اختصاصها بموجب المادة 12(2)(أ)، وهو البند الذي يسمح بالاختصاص إذا ارتكب عنصر واحد على الأقل من عناصر الجريمة أو جزء منها على أراضي دولة طرف في النظام الأساسي.

وهذا هو بالضبط ما طرحه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ففي الطلب المقدم يزعم المدعي العام أن قائد جيش ميانمار “مين أونغ هلاينغ” يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في ترحيل واضطهاد الروهينجا والتي ارتكبت جزئياً في بنغلادش، كما يقول إن هذه الجرائم ارتكبت في الفترة ما بين 25 أغسطس 2017 و31 ديسمبر 2017 من قبل القوات المسلحة في ميانمار بدعم من الشرطة الوطنية وشرطة حرس الحدود ومدنيين من غير الروهينجا.

ولكن في الوقت نفسه، لا يعني هذا أنه سيتم اعتقال “مين أونغ هلاينغ”، إذ أن أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لا تصدر إلا من قبل دائرة ما قبل المحاكمة التي تتألف من ثلاثة قضاة، ويتعين على المدعي العام أن يقنع هذه الدائرة بوجود “أسباب معقولة للاعتقاد” بأن “مين أونغ هلاينغ” ارتكب الجرائم المزعومة، وبعد صدور مذكرة الاعتقال تصبح الدول الأطراف في المحكمة والبالغ عددهم 125 دولة ملزمة باعتقاله وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية في “لاهاي” في أقرب وقت ممكن، وذلك وفق المادة 59 من نظام روما الأساسي.

وكما هي الحال مع مذكرات الاعتقال الصادرة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتن”، فإن حقيقة أن ميانمار ليست طرفاً في نظام روما الأساسي لا تبطل هذا الالتزام، ولا تبطل وضع “مين أونغ هلاينغ” كرئيس بالنيابة.

ورغم أن المادة 98 تحافظ على حصانة رؤساء حكومات الدول غير الأطراف، فقد قضت دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية في حكمها في إحالة الأردن بشأن استئناف الرئيس السوداني عمر البشير بأن “المادة 98 (1) من النظام الأساسي لا تنص في حد ذاتها على أي حصانات أو تعترف بها أو تحافظ عليها… لقد قبلت الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، بموجب التصديق على النظام الأساسي، أن حصانة رئيس الدولة لا يمكن أن تمنع المحكمة من ممارسة اختصاصها”.

ولكن الدول لا تمتثل دائما لهذا الالتزام، بل إن بعضها يذهب إلى حد القول بأن هذا الالتزام لا يمثل القانون، ففي وقت سابق من هذا العام زار “بوتن” دولة منغوليا العضو في المحكمة الجنائية الدولية دون أن يتم اعتقاله، وفي فعل من أفعال النفاق الصارخة أعلنت فرنسا أن “نتنياهو” ووزراءه يتمتعون بالحصانة من الاعتقال ما يعد تناقضاً واضحاً مع نهجها تجاه مذكرة الاعتقال الصادرة بحق “بوتن” في العام الماضي، كما تبنت الولايات المتحدة موقفاً متناقضاً مماثلاً بشأن مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق “بوتن” و”نتنياهو”، وإن كانت على النقيض من فرنسا، ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي.

ولكن بالنظر إلى قلة الأصدقاء الدوليين للمجلس العسكري الحاكم في ميانمار فمن غير المرجح أن تتاح فرص واسعة للسفر أمام “مين أونغ هلاينغ” إذا صدرت مذكرة الاعتقال، كما أن خيارات السفر المتاحة أمام قائد جيش ميانمار مقيدة بالفعل على أي حال، فبعد خضوعه لعقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لمدة أربع سنوات تقريباً أصبح غير قادر على السفر إلى أغلب الدول الغربية وحلفائها.

ولكن قد لا يكون لإصدار المذكرة بحق “مين أونغ هلاينغ” تأثير عملي يذكر على المدى القريب على الأقل، إذ أن هناك عدد قليل من الدول الموقعة على نظام روما في جنوب شرق آسيا، حيث لم تصادق عليه بعد دول مثل سنغافورة وإندونيسيا وتايلاند.

وعلى الرغم من قيام دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا بتقويض شرعية المحكمة الجنائية الدولية، فإن هذه القضية، إلى جانب قضية الإبادة الجماعية للروهينجا في محكمة العدل الدولية، لا تزال تثبت أنه يمكن تحقيق قدر من العدالة من خلال المحاكم الدولية في عالم مدفوع بشكل متزايد بالقومية ومبدأ “القوة هي الحق”.

*(الكاتبان: جولييت ماكنتاير: هي محاضرة أولى في القانون بجامعة جنوب أستراليا، وآدم سيمبسون: هو محاضر أول في الدراسات الدولية بجامعة جنوب أستراليا، نشر المقال في موقع “East Asia Forums” وترجمته وكالة أنباء أراكان)

شارك
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لوكالة أنباء أراكان

آخر الأخبار

القائمة البريدية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.